الكذب أن يوقع الذهن في الوهم حيث يخبر بالشيء ثم ينقضه، وذلك محال على الله تعالى. (1)
وقد أجيب عليه بأن إهلاكهم غير متكرر، لأنهم لا يهلكون إلا مرة واحدة فقط، فقوله: ما أهلكهم رفع لتلك فيلزم الكذب، وأما إن أراد بقوله: ما أهلكهم، أنه أراد ما أهلك بعضهم كان ذلك تخصيصاً بالأشخاص لا بالأزمان، فلم يكن نسخاً. (2)
القول الثالث: التفصيل: ذهب أصحاب هذا القول إلى تفصيل بين الخبر الماضي والمستقبل فإن كان ماضياً فلا يجوز نسخه وإن كان مستقبلاً جاز نسخه، واختاره القاضي البيضاوي وغيره. (3)
واستدلوا على ذلك بما يأتي:
أولاً: قوله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (4) فالصلة هنا مضارع وهو قوله: (يشاء) فيتعلق المحو بما قدره الله تعالى، والإخبار يتبع المحو وهو ما يغيره الله تعالى مما قدره مستقبلاً. (5)
ثانياً: استدلوا من العقل بأن ما تحقق في الماضي انتهى وانقضى أمره ولا يمكن رفعه بخلاف الخبر في المستقبل، فهو يمكن منعه من الثبوت.
وقالوا أيضاً: إن الكذب الذي يترتب على الخبر المخالف للأول لا يتعلق بالمستقبل بل هو مختص بالماضي، والله منزه عن ذلك. (6)
رأي الإمام سليم الرازي:
(1) المصدر نفسه؛ حاشية البناني: 2/ 131 - 132.
(2) المحصول: 1/ 549؛ وينظر: مسلم الثبوت: 2/ 75.
(3) ينظر: المنهاج وبهامشه الإبهاج: 2/ 243؛ وينظر: المحلى على جمع الجوامع: 2/ 132؛ التقرير والتحبير: 3/ 71. وقد نسبه ابن السمعاني لبعض الأشعرية، قواطع الأدلة: 3/ 87.
(4) الرعد: 39.
(5) التقرير والتحبير: 3/ 71؛ البناني: 2/ 132.
(6) المصادر السابقة.