وقد استدل الآمدي على ذلك بقوله: وذلك لأنه إذا ما دل عليه كان الإخبار متكرراً، والخبر عام فيه، فأمكن أن يكون الناسخ مبيناً لإخراج بعض ما تناوله اللفظ، وأن المراد بعض ذلك المذكور كما في الأوامر والنواهي. (1)
فهم يجعلون نسخ الأخبار كنسخ الأوامر والنواهي أي إذا جاز فيها جاز في غيرها.
القول الثاني: لا يجوز نسخه مطلقاً. ماضياً كان أو متسقبلاً. وبه قال جماعة من الحنفية، والمالكية والشافعية، واختاره ابن حزم، وبعض المعتزلة. (2)
واستدلوا على قولهم بما يأتي:
أولاً: إن دخول النسخ في الخبر يوهم أنه كان كاذباً، فتجويز النسخ في خبر ما كان مستقبلاً -نحو الإخبار بقيام الساعة وغيره- يكون قولاً بتجويز الكذب والغلط على المخبَر به، وكذلك القول بجواز النسخ في معاني الإخبار يؤدي إلى أن يقال اعتقدوا الصدق في هذا الخبر إلى وقت كذا ثم اعتقدوا فيه الكذب بعد ذلك، وهذا هو البداءة والجهل الذي تدعيه اليهود في أصل النسخ (3).
وقد أجاب عليه أصحاب القول الأول بأن دخول النسخ على الأمر الأول يوهم البداء أيضاً فإذا قيل لا يوهم لأن النهي إنما دل على أن الأمر لا يتناول ذلك الوقت، قيل: وهو في الإخبار أيضاً لا يوهم الكذب، لأن الناسخ يدل على أن الخبر ما تناول تلك الصورة. (4)
ثانياً: قالوا لو جاز نسخ الخبر لجاز أن يقول: أهلك الله عاداً. ثم يقول: ما أهلكهم. ومعلوم أنه لو قال ذلك لكان كاذباً، فلا يجوز نسخ مدلول الخبر لأنه يوهم
(1) الإحكام للآمدي: 3/ 131
(2) ينظر: أصول السرخسي: 2/ 59؛ مسلم الثبوت: 2/ 75؛ تيسير التحرير: 3/ 196؛ مختصر المنتهى ومعه بيان المختصر: 2/ 665؛ البحر المحيط: 2/ 99؛ حاشية البناني: 2/ 131 - 132؛ المعتمد: 1/ 389. وقد نسب الكمال بن الهمام: هذا القول للجمهور. ينظر: التقرير والتحبير30/ 70.
(3) أصول السرخسي: 2/ 59؛ المحصول: 1/ 548.
(4) المحصول: 1/ 548 - 549.