المسألة الأولى قال الله تعالى حكاية عن عيسى - عليه السلام -: ﴿إن كنت قلته فقد علمته﴾ [المائدة: 116] فجعل الشرط وجزاءه ماضيين.
والجواب عنه من وجهين: أحدهما أنه قد قال بعض المفسرين: إن ذلك وقع منه في الدنيا وأن سؤال الله تعالى له قبل أن يدعي ذلك عليه فيكون التقدير إن أكن أقله فأنت تعلمه فهما مستقبلان لا ماضيان وقيل: سؤال الله تعالى له يكون يوم القيامة وهذا القول هو المشهور فيكونان مستقبلين لا ماضيين قال ابن السراج: يجب تأويلهما بفعلين مستقبلين تقديرهما أن يثبت في المستقبل أني قلته في الماضي يثبت أنك تعلم ذلك وكل شيء تقرر في الماضي كان ثبوته في المستقبل معلوما فيحسن التعليق عليه ويؤكد القول الأول أن السؤال كان في الدنيا من الآية نفسها قوله تعالى ﴿وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم﴾ [المائدة: 116] فصيغة إذ للماضي وقال للماضي فإذا أخبر الله محمدا - صلى الله عليه وسلم - بهذين اللفظين الماضيين دل ذلك على تقدم هذا القول في زمن عيسى - عليه السلام - في الدنيا والقول الثاني يتأول هذين اللفظين بالمستقبل ويقول: لما كان خبر الله تعالى واقعا في المستقبل قطعا صار من جهة تحققه يشبه الماضي فعبر عنه بلفظ الماضي كما قاله تعالى ﴿أتى أمر الله﴾ [النحل: 1] يريد يوم القيامة وتقديره يأتي أمر الله تعالى فائدة جميلة جليلة إذا تقرر أن الشرط وجزاءه لا يتعلقان إلا بمستقبل معدوم فاعلم أن ذلك في لسان العرب عشر حقائق: الشرط وجزاؤه والأمر والنهي.
والدعاء والوعد والوعيد والترجي والتمني والإباحة فتأمل هذه العشرة لا تجد منها واحدا يتصور في ماض ولا حاضر سؤال كان يورده الشيخ عز الدين بن عبد السلام قدس الله روحه في «قوله - صلى الله عليه وسلم - لما قيل له: كيف نصلي عليك فقال: قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد» فكان يقول: قاعدة العرب تقتضي أن المشبه بالشيء يكون أخفض رتبة منه وأعظم أحواله أن يكون مثله وها هنا شبهنا عطية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعطية إبراهيم - عليه السلام - فإن صلاة الله سبحانه