يناسب وضعه في كل مكان؛ لأنه ربما إذا وضعه في موضع أساء إليه وهو ذاته حسن، فمثلاً: النبي صلى الله عليه وسلم لما قال له عمر بن الخطاب عليه رضوان الله: (دعني أضرب عنق هذا المنافق) يعني: عبد الله بن أبي، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أتريد أن يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه)، إذاً: نظر إلى آثار الفعل قبل الفعل، ثم أمسك عن الفعل، وهذا من الحكمة والدراية أن ينظر الإنسان إلى الآثار، ثم ينظر إلى الفعل، ثم يوازن في ذلك، وليس كل أثر يحجم الإنسان عن الفعل، ولكن إذا عظم الأثر وأصبحت مفسدته أعظم من إنزال الفعل فإنه يمسك، وإذا كانت مفسدته دون ذلك وجب عليه أن يضع الحق في الناس.
ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قاتل طوائف من المشركين، وحصل من ذلك قتل لأصحابه بالدعوة إلى التوحيد، هذه مفاسد أو ليست مفاسد؟ هي مفاسد، ولكن المصلحة أعظم من تلك المفاسد أم لا؟ أعظم، لكن تلك المفاسد لو نظر إليها منفردة تحولت إلى مصالح، وهذا ينظر فيه إلى الموازنة، ليس إلى نظر الإنسان وحسه وعاطفته ورغبته الذاتية، بل ينظر إلى الموازنة الشرعية، كذلك ينبغي للعالم ألا يضع الحجة إذا بلغت إليه أو وصلت إليه في أي موضع شاء، بل لها مواضع، ربما ما يناسب في موضع لا يناسب في موضع آخر، قد روى القاضي ابن أبي يعلى في الطبقات أنه جاء رجل إلى الإمام أحمد فقاله له: إن أبي أمرني أن أطلق زوجتي، فقال رحمه الله: لا تطلق، قال: ألم يأمر عمر ابنه عبد الله بن عمر أن يطلق زوجته فطلقها؟ قال له الإمام أحمد: حتى يكون أبوك كعمر.
إذاً: ما الفرق بين هذا وهذا؟ عمر بن الخطاب إمام محدَث وملهم، ربما أراده أن يطلقها لأنه يرى أن الأصلح له غيرها، فهو ينظر لحض نفسه أو لحض غيره؟ لحض غيره، فهو أعلم وأبصر، لكن يأتي ابن ويقول: والدي أمرني أن أطلق زوجتي هل أطلقها، تستدل بهذا أم لا؟ ربما تكون زوجته لم تكرم أباه، أو ربما لم تصنع له شاياً، والرجل هذا كبير في السن فيقول مثلاً امتعنت ولم تقدرني، أو لم تقبل رأسي، أو لم تفتح لي باباً، أو لم تبتسم في وجهي إذاً فطلقها، هل هذا لحض النفس أو لحض الغير؟ لحض النفس؛ ولهذا قال الإمام أحمد رحمه الله: لا تطلق. حينما استدل عليه بالدليل، أشار الإمام أحمد أنه يعلم ولكن أبوك يختلف عنه.
لهذا نقول: إن وضع الدليل الحق في أي موضع خطأ أو ليس بخطأ؟ خطأ، وإن كان في ذاته حق؛ ولهذا الفقيه هو الذي ينظر إلى الدليل وينظر إلى موضعه الذي هو عليه، فقد يكون في ذاته حق، وهذا كما أنه في المعاني كذلك أيضاً في الأمور المحسوسة، فمثلاً: يرى الإنسان في بيته اللوح جميلاً، والبرواز حسناً أو نحو ذلك، لكنه يرى أنه إذا وضعه في موضع كان جميلاً، وإذا وضعه في موضع آخر قبيح، أليس كذلك؟ وهل حسنه في ذاته مسوغ لئن تضعه في أي مكان؟ لا، لابد من النظر إلى السياق.