وإنما قلنا بالأصل الأول أن الإنسان لا يقلد غيره؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُمر ببلاغ الأدلة للمشركين من كفار قريش, قال الله جل وعلا: بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ [المائدة:67] , يعني: في هذه الرسالة يجب أن تبلغ النصوص, وهذا ظاهر في قول الله جل وعلا: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ [التوبة:6] , فأمره بإسماع كلام الله, لا بإسماع كلامه هو أو شرح المعاني, مما يدل على أن ذات الدليل ينبغي أن يصل, والأصل في بلوغ الدليل هو فهم الحجة, وإلا بلوغ الدليل مع عدم فهم الحجة هذا من الفضول, ولا يأمر الله جل وعلا -تعالى الله عز وجل عن ذلك علواً كبيراً- بمثل هذا, وما أمر الإنسان بإسماع الدليل له إلا وقد فهم ذلك. والعلماء يربطون قيام الحجة بسماع الدليل لا بفهمه، أي: إذا كان ذلك على لغة يفهما لو أراد أن يفهم, فإذا خاطبت رجلاً بدليل وهو يفهم معنى هذا الدليل لو أراد أن يفهم قامت عليه الحجة، ولو قال: إني لم أفهم ذلك؛ لأنه يحتمل أنه أراد بذلك المكابرة؛ لماذا؟ لأننا لو أحلنا الأمر إلى فهم الحجة لأحلناه إلى عدم, وهو عمل القلب, وعمل القلب لا يعلمه إلا الله, ويلزم من ذلك أننا نعلق كثيراً من الأحكام الشرعية كالجهاد في سبيل الله حتى يفهمه, وربما يفهم هذه السَنة أو التي تليها أو التي تليها أو التي تليها, أو يعلق الفهم ويقول: لم أفهم, ولهذا ينبغي ألا يلتفت إلى مسألة فهم الحجة إذا أقمنا الحجة على الوجه المشروع.
شرح إعتقاد سفيان الثوري · الصفحة ٢٥
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
شرح إعتقاد سفيان الثوريص ٢٥
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي