هل ترك واجباً؟ ما ترك واجباً, لكن لو فعله فعل إحساناً مستحباً.
وكذلك في الحج ثمة إحسان واجب وإحسان مستحب, فالإحسان الواجب أن يأتي بالواجبات والأركان، ويجتنب المنهيات والآثام, وكذلك بالنسبة للمستحب في ذلك أن يأتي بالسنن؛ كالاغتسال في الميقات, والتهليل والتكبير, والتلبية وتعهدها, والتكبير عند كل شرف, والتسبيح عند كل هبوط, والاغتسال عند دخول الحرم, وتقبيل الحجر, والرمل, والاضطباع, وصلاة الركعتين على قول الجمهور, ورفع اليدين على الصفا, فهذه مستحبات لا تؤثر على أصل العمل، لكنه إحسان.
لكن ما هو الذي يعرف الإنسان مقامه في جانب الإيمان؟ يعرف مقامه في جانب الإيمان, وفي جانب المستحبات، كلما ازداد فيها ازداد إيماناً؛ لأن قوة العلم بأن الله يراك تزداد لدى الإنسان, فإذا غابت أزلت المستحب حتى أكلت من الواجب, ولهذا ترى بعض الناس يصلي وينظر للسماء, أو يقعي أو يفترش أو ينقر نقرة الغراب أو غير ذلك من المنهيات فهذا تجاوز المستحبات، ووقع في المنهيات.
إذاً: هل هو من المحسنين؟ ليس من المحسنين.
ولهذا الأصل في المحسن أنه يفعل المستحب, أما من ترك الواجب فلا يسمى محسناً, فالإحسان هو الزيادة في قدر المستحب في كل عبادة من العبادات, ولهذا الأولياء والأصفياء يبحثون عن المفقود من المستحب ليزيدوا ولا ينظروا إلى المفقود من الواجب؛ لأنه لا مفقود في الواجبات عندهم, ولأن المفقود من الواجب تاركه لا يسمى محسناً أصلاً, وإنما يسمى مقصراً عاصياً، فإذا جاء بمقدار الكمال فيما عدا ذلك فإنه يسمى إحساناً.
... منزلة استحضار رؤية الله للعبد
قال صلى الله عليه وسلم: (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، وهذا أيضاً إذا استحضره الإنسان في كل عمل وفعل أن الله يراه, ويستحضر كأن الله أمامه حقيقة هو يراه, تتغير عبادته في ذلك, وهذا فيه إشارة إلى قوة اليقين وضعفه في قلوب الناس, فمن الناس من يبلغ مرتبة في اليقين عبادته في الخفاء كعبادته في العلن خشوعاً وتضرعاً وبكاء وحضور قلب وإطالة صلاة, ومن الناس في العلن من يطيل الصلاة ويخشع إذا رأى الناس, والمقدار بين السر والعلانية هذا هو مقدار الرياء, لا إحساناً للخالق في الغالب، وإنما إحسان للمخلوق, والإحسان للمخلوق الذي يحسن في السر والعلانية هو المحسن حقيقة, فتستوي صلاته، ويستوي صيامه، وتستوي عبادته على حد سواء.