باب أولى من جهة الجهالة, ولهذا الله سبحانه وتعالى يأمر الإنسان بأن يبحث عن مكامن الجهل في ذاته وقصوره حتى يعلم أن ما يخفى عليه هو أعظم من ذلك؛ ولهذا منذ أن أوجد الله عز وجل البشرية في هذه الأرض, وهي في كل دقيقة تكتشف جديداً.
وهذا دليل على أن الذي يخفى على الإنسان لا ينتهي, وأن جهل الإنسان لا حد له, ولكنه يعلم مقدار مساحة العلم ويجهل مساحة الجهل, فيعيش في شيء يسير عنده ويظن أن هذا هو هذا الكون أو هذا العلم كحال الإنسان الذي يسير في ظلمة من الظلمات وفي حوله نور, وهذا النور يحيط به من جهاته بأمتار معدودة يظن أن هذا هو الكون وما عداه من ظلمة لا يراه ولا يعد شيئاً, ويبصر هذه النور التي هو فيها, لكنه يجهل ما عداها.
الذين أظهروا القدر ونفوا علم الله عز وجل أو نفوا تقدير الله سبحانه وتعالى على الخلائق أفعالهم وأقوالهم وآجالهم, وعلى سائر المخلوقات من خلقها وتدبيرها وأحوالهم وتغلبها, وتحولها من حال إلى حال, نفيهم لذلك أنهم أرادوا أن يجعلوا أن الله سبحانه وتعالى عدل كيف يقدر الله على خلقه شيئاً ثم يعاتبهم ويعاقبهم عليه؟
... القدر من المسائل الدقيقة
ومسألة القدر هي من المسائل الدقيقة التي ربما لا يدركها الإنسان, فوجب عليه التسليم, وذلك أن الإنسان في معاني الأحكام وعلل الغيب يدرك شيئاً منها وتخفى عنه أشياء كثيرة, ومن هذه الأشياء مسألة القدر, وذلك أن في الإنسان شغف من جهة العلم والمعرفة, يحب أن يعلم كل شيء, وأن يبحث عنه, والله عز وجل جعل فيه عجزاً مركباً, وذلك أن الإنسان لا يستطيع أن يستوعب كل شيء بحواسه, وحواس الإنسان الخمسة وسادسه النفس والمعنى القائم في النفس, سمع وبصر وشم ولون وإحساس, والمعنى القائم في النفس كل شيء من هذه الحواس لها حد محدود.
ولهذا الإنسان إذا أراد أن ينظر ببصره لا يرى كل شيء, يرى أشياء معينة ظاهرة ما عداها, ولبصره أمد, سمعه لا يسمع كل شيء, ولسمعه أمد, وإذا لم يسمع ولم ير ليس له أن ينفي وجود الأصوات أو وجود الذوات لأنه لم يرها أو لم يسمعها, إحساسه وذوقه وعدم وجود طعم لشيء في فمه لا يعني أنه ليس له طعم, ولكن ليس لديه قدرة على معرفة طعمه, كذلك أيضاً من جهة شمه لا يعني عدم وجود الروائح لأنك لا تدركها.
ولهذا الله سبحانه وتعالى جعل إدراك الإنسان قاصراً, كذلك أيضاً من جهة فهم المعاني جعل الله سبحانه