حينما كان آدم في الجنة ومعه زوجه سلط عليهما إبليس في الجنة, فكان إبليس في الجنة معهم وكان يتشكل على صور شتى, فتارة يأتيه بصورة بهيمة أنعام, وتارة يأتيه في صورة حية, يسول في كل مرة له الأكل من هذه الشجرة حتى أكل منها, فأمضى الله عز وجل بعد ذلك أمره, بأن أنزله وأهبطه إلى الأرض.
وفي هذا أيضاً أن الإنسان لا يجوز له أن يحتج بقدر الله على فعله المحرم, ومن فعل أمراً محرماً، فاحتج بقدر الله عز وجل عليه ولم يتب فقد سلك طريقة إبليس, ولهذا أول مخالفة للخالق سبحانه وتعالى بدت في الجن من إبليس, وفي البشر من آدم وزوجه عليهما السلام, فإبليس احتج بقدر الله على ذنبه ولم يتب, ولهذا قال: فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [الأعراف:16] , أي: بما أمضيت وقضيت علي من الضلال والإغواء سأستمر في هذا الأمر, وأما آدم وزوجه فاستغفرا الله سبحانه وتعالى مما وقع منهما، فمن استغفر فقد سلك طريقة آدم, فهو آدمي, ومن احتج بقدر الله عز وجل على ذنبه وبقي عليه فهو إبليسي, ولهذا نقول: إن قدر الله عز وجل ليس حجة للإنسان أن يمضي على ما هو عليه, بل يتوب ويستغفر وينيب إلى الله سبحانه وتعالى.
قال المصنف رحمه الله: [وجعل أكله لها إلى الأرض سبباً، فما وجد إلى ترك أكلها سبيلاً، ولا عنه لها مذهباً].
وذلك أن الله عز وجل قدر ذلك عليه, ولا يخرج الإنسان عن قدر الله سبحانه وتعالى، وما كتبه جل وعلا عليه, فلا بد أن يصير إليه, ولهذا المؤمن يقلع ويستغفر, ويسأل الله سبحانه وتعالى أيضاً الإعانة على ذلك والثبات عليه. نعم.
... مآل ذرية آدم عليه السلام بعد خلقهم
قال رحمه الله: [ثم خلق للجنة من ذريته أهلاً، فهم بأعمالها بمشيئته عاملون، وبقدرته وبإرادته ينفذون].
وهذا مما يقدره الله عز وجل كذلك على ذرية آدم, فخلق للجنة خلقاً وهم في بطون أمهاتهم, وخلق للنار خلقاً وهم في بطون أمهاتهم, وقدر الله سبحانه وتعالى للجنة أهلاً وللنار أهلاً؛ كما جاء في حديث عمر بن الخطاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكذلك أيضاً جاء في حديث عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهذا من سابق علم الله جل وعلا وتقديره لعباده, فإذا أراد الله عز وجل حصول شيء هيأ له أسبابه, ولا يخرج الإنسان عن ذلك.
قال رحمه الله: [وخلق من ذريته للنار أهلاً، فخلق لهم أعيناً لا يبصرون بها، وآذاناً لا يسمعون بها، وقلوباً