الأمر الثالث: أن المطولات فيها تأثر بطرائق المتكلمين، ومناهجهم، فقد دخل المتكلمون في علم الحديث، فدخلوا في قواعد الجرح والتعديل، ودخلوا أيضاً في قواعد الحديث، وفي أبواب العلل، ودخلوها لا عن طريق ممارسة للجزئيات، وإنما بنوع من التقعيد، وإذا قعد الإنسان وليس بممارس دخل في دائرة التقليد لمن قعد، ولهذا تمكن الأصوليون من التقليد في علوم الحديث تمكناً ظاهراً، ولم يكن لديهم شيء من التحرير إلا النزر اليسير، وهذا ما أثر على الكتب المطولة في هذا الباب، فيقولون مثلاً: الجرح مقدم على التعديل، أو الجرح لا يقبل إلا مفسراً، وهذه التقعيدات وهذه القواعد يأخذونها عن بعضهم، ولهذا تجد الأمثلة عند المتأخرين هي أمثلة المتقدمين، ولا يجدون مثالاً، فإذا كانوا لا يجدون مثالاً يمثل به على مدى أربعمائة سنة أو خمسمائة سنة، فكيف يحررون في جزئيات في التطبيق؟ مما يدل على أن هذه إنما هي حكايات لمسائل يقفون عليها في مصنفات غيرهم، ولهذا التحرير فيها ضئيل، فأنصح طالب العلم في ذلك أن يجعل المطولات هي للمرجع، فلا يعتني بها حفظاً، ولا يعتني بها إيغالاً بالتتبع والقراءة. ما الذي يعتني به طالب العلم، وهي الوصية الثانية؟ أن يعتني طالب العلم بكتب العلل، وهي التي تعتني بجزئيات الجزئيات بدقائق المسائل، وعلم العلل علم دقيق جداً، وملكته في ذلك شاقة، وصعبة جداً لا يستطيع الإنسان أن يصل إلى الملكة في هذا الباب إلا بشق الأنفس، وربما تعذر عليه، مضى عليه عمر طويل جداً، أو ربما مضى عليه عمره كله، ولم يستطع حينئذٍ أن يصل إلى التمكن في هذا الباب، لهذا أوصيه بالقراءة في كتب العلل، فهي كثيرة كما تقدم معنا في هذا الباب.
شرح المنظومة البيقونية · الصفحة ١٤
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
شرح المنظومة البيقونيةص ١٤
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي