تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والوصية الثالثة: أن يكثر طالب العلم من المحفوظات، فكلما كان طالب العلم للمحفوظات أكثر، فإنه يكون حينئذٍ أبصر بمعرفة متون الحديث ورواتهم؛ لأن الإنسان إذا حفظ الحديث، فإنه يتطعمه حساً، كحال الإنسان الذي يكثر نظراً للأشياء يستطيع أن يميزها، وأن يميز الشاذ منها؛ لأنه أدام النظر، ولهذا الإنسان حينما يكون في بلاد مثلاً في جنوب شرق آسيا ونحو ذلك، يمر ببعض البلدان فيرى أنهم واحد من جهة صورتهم الظاهرة، لكن لو سأل رجلاً خبيراً منهم، فقال: هذا ملامحه من بلدة كذا، وهذا ملامحه من بلدة كذا، وهذا من بلدة كذا، أو ليس كذلك؟ بلى. كذلك أيضاً في هذا البلد الذي يعيش فيه يعرف من أحوال الناس أن هذا من بلدة كذا، وهذا من بلدة كذا، وإذا تكلموا يعرفهم بلحن قولهم، ولكن إذا كان الإنسان بعيداً عنهم، وسمعهم يظن أن لغتهم واحدة أليس كذلك؟ هذا كحال الإنسان الأجنبي عن هذا العلم الذي لم يوغل فيه، فكلما استكثر الإنسان من الحفظ أصبح لديه ملكة قوية جداً بالتمييز بين المتون، ويعرف المتن الذي يجري على النسق الذي لديه، والمتن الغريب الذي لا يجري على ما لديه، وكلما كان الإنسان أكثر استيعاباً للحديث أصبح أكثر دقة بمعرفة المخالف ولو لم يقف عليه بعينه، ولهذا تجد بعض الناس مثلاً يقول: هذا من بلدة كذا، فإذا ينفي يقول: بل أنت من بلدة كذا، فتجزم أنت ولو نفى، ولو جاء بشهود، أو ليس كذلك؟ تقطع بهذا، هكذا كان عند الأئمة عليهم رحمة الله ملكة في نقد الحديث، لماذا؟ أنت حكمت على سحنة رجل، وعلى منطقه بماذا؟ لأنك عايشت هذا المنطق عشرين أو ثلاثين سنة، هم كذلك أيضاً عايشوا الحديث وحفظوه في ليلهم ونهارهم، فإذا جاء لديهم حديث قالوا: هذا منكر، يدركها الإنسان بالحس، لا يستطيع أن يبرهن عليها.

شرح المنظومة البيقونية · الصفحة ١٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح المنظومة البيقونيةص ١٥