تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عَرَفَاتٍ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 198].

قِيلَ: قَدْ قِيلَ: إِنَّهُ لِتَرْتِيبِ الْأَخْبَارِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ إِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ أَنْ تَذْكُرُوهُ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، ثُمَّ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ، وَتَرْتِيبُ الْأَمْرِ لَا يَقْتَضِي تَرْتِيبَ الْفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَإِنَّمَا أَمَرَ بِهَذَا بَعْدَ هَذَا لِأَنَّ الْأَوَّلَ أَمْرٌ لِجَمِيعِ الْحَجِيجِ، وَالثَّانِي: أَمْرٌ لِلْحُمْسِ خَاصَّةً، وَيُقَالُ: إِنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ﴾ [البقرة: 197] إِلَى قَوْلِهِ: فَاتَّقُوا. . . ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾ [البقرة: 199] وَيَكُونُ مَعْنَاهُ: فَمَنْ فَرَضَ الْحَجَّ فَلَا يَرْفُثُ وَلَا يَفْسُقُ، ثُمَّ بَعْدَ فَرْضِ الْحَجِّ يُفِيضُ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ، وَيَكُونُ الْكَلَامُ فِي بَيَانِ الْمَحْظُورَاتِ وَالْمَفْرُوضَاتِ.

فَإِنْ قِيلَ: لِمَ ذَكَرَ لَفْظَ الْإِفَاضَةِ دُونَ الْوُقُوفِ؟

قِيلَ: لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: ثُمَّ قِفُوا حَيْثُ وَقَفَ النَّاسُ لَظُنَّ أَنَّ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ يُجْزِئُ فِي كُلِّ وَقْتٍ بِحَيْثُ يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ، وَأَمَّا الْإِفَاضَةُ فَإِنَّهَا الدَّفْعُ بَعْدَ تَمَامِ الْوُقُوفِ، وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ وَقْتَ الدَّفْعِ هُوَ آخَرُ يَوْمِ عَرَفَةَ، فَإِذَا أُمِرُوا بِالْإِفَاضَةِ مِنْهَا عُلِمَ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَقِفُوا بِهَا إِلَى وَقْتِ الْإِفَاضَةِ، وَأَنَّهَا غَايَةُ السَّيْرِ الَّذِي يَنْتَهِي إِلَيْهِ الْحَاجُّ، فَلَا تُتَجَاوَزُ وَلَا يُقَصَّرُ عَنْهَا ; لِأَنَّ الْمُقَصِّرَ وَالْمُجَاوِزَ لَا يُفِيضَانِ مِنْهَا.

شرح العمدة لابن تيمية - كتاب الحج · الجزء ٢ · الصفحة ٥٧٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح العمدة لابن تيمية - كتاب الحجج ٢ · ص ٥٧٤