تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وَالْحَاجَةُ، وَالْخَوْفُ عَلَى نَفْسِهِ، وَعَلَى الْمَدِينَةِ مِنَ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ، وَأَنَّ اللَّهَ أَعْلَمَهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَحُجَّ قَبْلَ الْمَوْتِ، وَفِي بَعْضِ هَذِهِ الْأُمُورِ نَظَرٌ، وَإِنْ صَحَّتْ فَهِيَ عُذْرٌ فِي خُصُوصِهِ، لَيْسَتْ عُذْرًا لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ.

وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: وُجُوبُ الْحَجِّ مُطْلَقًا، قُلْنَا: الْأَمْرُ الْمُطْلَقُ عِنْدَنَا يُوجِبُ فِعْلَ الْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى الْفَوْرِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ الْمُطْلَقُ يَقْتَضِي ذَلِكَ فَقَدْ بَيَّنَّا مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ وَغَيْرِهَا مَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الْمُبَادَرَةِ إِلَى فِعْلِ الْحَجِّ، فَيَكُونُ الْأَمْرُ بِهِ مُقَيَّدًا، وَأَيْضًا فَإِنَّ تَأْخِيرَ الْحَجِّ تَفْوِيتٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ فِعْلِهِ إِلَّا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فَيَصِيرُ كَالْعِبَادَةِ الْمُؤَقَّتَةِ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ فِعْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ قَضَاءً؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ هُوَ فِعْلُ الْعِبَادَةِ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا الْمَحْدُودِ شَرْعًا حَدًّا يَعُمُّ الْمُكَلَّفِينَ، وَالْحَجُّ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَكَوْنُهُ قَضَاءً أَوْ أَدَاءً لَا يُغَيِّرُ وُجُوبَ التَّقْدِيمِ، وَلَا جَوَازَ التَّأْخِيرِ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ النَّائِمَ، وَالنَّاسِيَ، وَالْحَائِضَ، وَالْمُسَافِرَ يَأْتُونَ بِالْعِبَادَةِ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ الْعَامِّ الْمَحْدُودِ، فَيَكُونُ قَضَاءً مَعَ جَوَازِ التَّأْخِيرِ أَوْ وُجُوبِهِ، وَالْمُزَكِّي يَجِبُ عَلَيْهِ أَدَاءُ الزَّكَاةِ عَقِيبَ الْحَوْلِ، وَلَوْ أَخَّرَهَا لَمْ يَكُنْ قَضَاءً، وَكَذَلِكَ الْقَاضِي شَهْرَ رَمَضَانَ لَوْ أَخَّرَهُ إِلَى عَامٍ ثَانٍ أَوْ أَخَّرَ قَضَاءَ الْحَجِّ إِلَى عَامٍ ثَانٍ لَمْ يُقَلْ لَهُ: قَضَاءَ الْقَضَاءِ، وَكَذَلِكَ مَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ تَضَايُقُ الصَّلَاةِ أَوِ الْحَجِّ فِي وَقْتِهِ فَأَخَّرَهُ وَأَخْلَفَ ظَنَّهُ - أَثِمَ بِذَلِكَ، وَلَا يَكُونُ مَا يَفْعَلُهُ قَضَاءً، وَكَذَلِكَ لَوْ صَرَّحَ بِوُجُوبِ الْفِعْلِ عَلَى الْفَوْرِ أَوْ أَقَامَ عَلَيْهِ دَلِيلًا وَأَخَّرَهُ إِلَى الْوَقْتِ الثَّانِي - لَمْ يَكُنْ قَضَاءً، فَالْحَجِّ مِنْ هَذَا الْبَابِ.

شرح العمدة لابن تيمية - كتاب الحج · الجزء ١ · الصفحة ٢٢٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح العمدة لابن تيمية - كتاب الحجج ١ · ص ٢٢٩