إن الناس يأخذون قضية الخلق الراهنة كأنها حادثة من تلقاء ذاتها . وتلك مصيبة الناس حين تنطمس بصيرتهم فيعمون عن آيات الله المعجزة في الخلق ، فيستكثرون على قدرته سبحانه أن يخلق من جديد !
والجاهلية المعاصرة مصيبتها أكبر ! فقد عرفت من طريق العلم إلى أي حد هذا الكون معجز في خلقه ومعجز في كل تفصيلاته ، وفغروا أفواهم عجباً كلما كشف لهم العلم جديداً من أسرار الكون الدقيقة ، وخاصة في عالم الذرة ومحتوياتها . ومع ذلك يستكبرون ! ويفرون من مجابهة الحقيقة فيقولون : إنها الطبيعة (1) ويصنعون كما صنعت الجاهلية القديمة فينكرون على الله أن يقدر على البعث !
وما زال تحدي القرآن ماثلاً أمامهم : ( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ) [ الطور : 35 ] .
وما زال وعيده لهم قائماً : ( فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ ، يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ) [ الطور : 45 ، 46 ] .
ذلك أنهم علماء مزيفون : ( يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ) [ الروم : 7 ] .
أما العلماء الحقيقيون فهم أولى الناس بالإيمان بالله والإيمان بالبعث : ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ) [ فاطر : 28 ] 0
4- الحشر
يبعث الله الموتى ثم يحشرهم جميعاً ليقفوا بين يدي مولاهم يسائلهم عن أعمالهم .
ويصف القرآن الكريم هول الحشر كما وصف أهوال الساعة :
( يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ، وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ) [ عبس : 34 - 37 ] .
إنه الهول الذي يفرق بين الأقرباء والأصدقاء ، ويشغل كل إنسان بنفسه عن الآخرين ولو كانوا ألصق الناس به في الحياة الدنيا ( يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ ، مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ ) [ القمر : 7 ، 8 ] .
( يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ ) [ المعارج : 43 ] .
(1) لا يناقش أولئك الجاهليون قضية ((الطبيعة)) مناقشة منطقية ولا مناقشة علمية، فما هى على وجه التحديد؟!