أما الأمم والجماعات فقصتها لا تختلف كثيراً عن قصة الفرد .
فلأي شيء تعمل ولأي شيء تعيش حين لا تؤمن باليوم الآخر ؟
كل جماعة همها الحصول على أكبر قدر من المتاع ( أو المزايا بتعبيرهم ! ) على حساب جماعة أخرى ! وكل أمة همها أن تتغلب على أمة أخرى لتسلبها حظها من المتاع وتأخذه لنفسها فتنشأ من ذلك الصراعات والحروب .
وأين القيم العليا ؟ وأين حقوق الإنسان ؟ وأين الضمير العالمي ؟ وأين العهود والمواثيق ؟ وأين التعاون في سبيل الخير ؟ وأين العدل ؟ وأين الإخاء والمساواة ؟
إنها كلها - في الجاهلية - ألفاظ ! يلوكها الناس نفاقاً ورياء ، فإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم ، إنما نحن مستهزئون ! لأنها كلها معوقات عن المتاع في الفرصة الوحيدة المتاحة للمتاع !
ويتقاتل الناس ، ويموت منهم من يموت ، ولكنهم يموتون وهم يقاتلون في سبيل هذا المتاع الأرضي ، فإذا قيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً ، أو في سبيل الحق المجرد الذي لا مصلحة لهم فيه مباشرة ، هزوا أكتافهم وأعرضوا عنك ، إن لم يهبّوا لمقاتلتك أنت ، لأنك تدعوهم إلى شيء يفسد عليهم مصالح الدنيا ومتاع الأرض !
ومن ثم تهبط القيم في الجاهليات وتنحصر الآفاق ، كما يضعف الضمير وتفسد الأخلاق . إنه لا شيء يرفع الإنسان من ثقلة الأرض - بعد الإيمان بالله - إلا الإيمان باليوم الآخر . الإيمان بأن كل متاع زائل يتنازل عنه الإنسان في الحياة الدنيا - طاعةً لله والتزاماً بأمره - يعوض عنه في الآخرة متاعاً أشفّ وأعلى وأخلد وأبقى . والإيمان في ذات الوقت بأن كل خروج على أمر الله في الحياة الدنيا - من أجل متاع الأرض الزائل - سيجازى عليه في الآخرة عذاباً ليس في طوق البشر احتماله : ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً ) [ النساء : 56 ] .