لقد كان عند العرب في الجاهلية كرم وشجاعة، ولكن الجاهلية كانت قد أفسدت قاعدتهما، فجعلت الكرم إنفاقاً للمال رئاء الناس، وجعلت الشجاعة حمية جاهلية. فأبقى الإسلام الكرم والشجاعة، لأنهما من أخلاقياته الأصيلة، ثم صحح قاعدتهما ليُصبح الكرم إنفاقاً في سبيل الله، والشجاعة جهاداً لتكون كلمة الله هي العليا.
وكذلك يفعل الإسلام بفضائل الجاهلية المعاصرة: الجلد على العمل، وعبقرية التنظيم، والروح العلمية في تناول المشكلات، ومحاولة إيجاد الحلول العملية لها.. كل ذلك يحافظ عليه الإسلام، لأنه متفق مع أصول دعوته، ولكنه سيُصحح قاعدته فلا يكون الأمر لمتاع الحياة الدنيا وحده، وعلى غير أسس " أخلاقية ". إنما يكون عبادة لله، وعمارة للأرض بمقتضى منهج الله، فيتوافر فيه من الخير والبركة أضعاف ما هو حاصل اليوم في الأرض.
وأما الفساد فلا يتقبله الإسلام. سواء كان الفساد كفراً بالله وجحوداً بآياته، أو تحللاً خلقيًّا، أو ظلما سياسيًّا أو اجتماعيًّا أو اقتصاديًّا ناشئاً كله من تحكيم شرائع غير شريعة الله، أو فكريًّا أو فنيًّا ناشئاً من اتباع الهوى الذي يضل عن سبيل الله:
(وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) . [سورة ص، الآية 26] .
*... *... *
الإسلام هو المنهج البديل، الذي يُصحح انحرافات الجاهلية..
ولكنه لا يَبلُغ إلى الناس على حقيقته حتى يحمله قوم يعيشون به، ويعيشون له، ويعرضونه على الناس من خلال قوة واقعية، ومن خلال واقع ممكّن في الأرض.
صحيح أن بضعة ألوف، أو بضعة مئات من الألوف في أوربا وأمريكا قد دخلوا في الإسلام، فراراً إليه من لذع الضياع والحيرة، الذي يأكل حياة الناس في الغرب، ويكاد يسلمهم إلى الجنون.
ولكن الذين يبحثون عن الحق، ويهتدون إليه من ذوات أنفسهم، قلة دائماً في التاريخ.