ولكن الدعاية الضخمة التي قام بها اليهود للنظرية، والدافع المستمر لها، لم يُثبّت النظرية في أذهان الناس فحسب، بل جعلتهم يؤمنون بها كأنها حقائق علمية نهائية، لا مجرد " فرض علمي "، ولا حتى " نظرية علمية "، كما قدمها صاحبها نفسه!
وانقلب الفكر الأوربي انقلابة كاملة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، كما حدث في كل مرة! فبعد أن كان الثبات هو الصورة الدائمة للأشياء، أصبح " التطور " هو الصورة الدائمة للأشياء، ولم يعد هناك شيء ثابت على الإطلاق لا الكون، ولا الحياة، ولا الإنسان، ولا الدين، ولا الأخلاق، ولا فكرة الإنسان عن الله!
فالكون المادي تطوّر من سديم إلى نجوم، والحياة تطوّرت من كائن وحيد الخلية إلى نبات إلى حيوان إلى إنسان. والإنسان تطوّر من كائن شبيه بالقردة يمشي على أربع، إلى قرد إنساني مستقيم القامة، إلى إنسان متوحش، إلى إنسان مستأنس. والدين تطور من عبادة الأب إلى عبادة الطوطم، إلى عبادة قوى الطبيعة، إلى عبادة الأفلاك، إلى عبادة الأصنام، إلى عبادة الله الواحد.. إلى.. إلى الإلحاد، والتحول بالكلية عن الدين! والأخلاق تطورت من أخلاق خشنة عنيفة عند البدائيين، إلى أخلاق " حضارية "، حول وديان الأنهار مع تحول الناس للزراعة والاستقرار - مع حرص شديد على قضية العفة وسيطرة الرجل - إلى تهاون شديد في قضية العفة وزوال سيطرة الرجل.. ثم وقفت هناك (1) !
وهكذا.. وهكذا.. لا شيء ثابت على الإطلاق!
ولم يستطع الفكر الغربي قطّ أن يهتدي إلى التوازن الجميل الدقيق الذي هدى الإسلام إليه المسلمين في هذه القضية. أن في النفس البشرية وفي الحياة البشرية أموراً ثابتة لا تتغير، ولا يُريد الله لها أن تتغير، لأنها متعلقة بحقائق أزلية كوجود الله سبحانه وتعالى، وألوهيته وربوبيته، وتفرده بالألوهية والربوبية، أو بأصول ثابتة في الفطرة، وكل تغيير فيها يؤدي إلى الفساد، وأموراً أخرى متغيرة، لأنها تتعلق بمدى ما يُحقّق الإنسان بجهده العقلي والبدني من تسخير لطاقات السموات والأرض، المسخرة