تلك السنن ليرتّبوا حياتهم بمقتضاها. ومن ثم صارت قلوبهم موصولة بعالم الغيب، ونشاطهم العملي - العقلي والجسدي - منطلق في عالم الشهادة، في توازن دقيق جميل أخاذ.
لم يمنعهم إيمانهم بعالم الغيب من اتخاذ الأسباب، (بل أمروا بذلك أمراً) ، ولم تفتنهم الأسباب الظاهرة، والتعامل المباشر معها، عن الإيمان بمسبب الأسباب.
لذلك أنشأوا - كما سبق القول - حضارتهم العمرانية في جو إيماني، وأنشأوا حركتهم العلمية كذلك في جو إيماني، بلا تكلف في أيهما، إنما انطلاقاً من ذلك التوافق الباطني الذي يحسونه في أنفسهم بين الإيمان بعالم الغيب، والعمل في عالم الشهادة.
ولكن الفكر الغربي عجز عن إيجاد ذلك التوافق الجميل في جميع أحواله.
في الفترة الكنسية آمن بعالم الغيب، وأهمل البحث في عالم الشهادة، واكتفى بما قدمته له الكنيسة من تفسير كل شيء في عالم الشهادة، بأنه تم بمشيئة الله وقدره. وهو قول حق في ذاته، ولكنه لا يشرح للناس السنن التي يجري بها الله ما يحدث في عالم الشهادة، ولا يقول لهم: إنها سنن ثابتة، ثبتها الله بمشيئته المطلقة، بحيث يستطيع الناس أن يتعرفوا عليها، ويستثمروها، ويرتبوا حياتهم عليها.
فلما اكتشف نيوتن " قانون السببية "، حدث انقلاب كامل في الفكر الأوربي، من النقيض إلى النقيض.
لقد كشف " قانون السببية " كما سمّته أوربا - وكان الأجدر أن تسميه " السنن الكونية " - عن حقائق علمية كانت مجهولة لأوربا من قبل، وشرح كثيراً من " الظواهر الطبيعية " لم تكن أوربا تعلم عنها أكثر من أنها تتم بمشيئة الله. وعندئذ اندفعت أوربا في الطريق الجديد، الذي انفتح أمامها، حتى نسيت مسبب الأسباب أو تنكرت له!
يقول جرين برنتون في كتاب " منشأ الفكر الحديث "، (ص 151 من الترجمة العربية لعبد الرحمن مراد) " الإله في عرف نيوتن أشبه بصانع الساعة. ولكن صانع هذه الساعة الكونية - ونعني بها الكون - لم يلبث أن شد على رباطها إلى الأبد. فبإمكانه أن يجعلها تعمل