تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الآخر: إني أقوم الليل ولا أنام، وقال الثالث، وأنا لا أتزوج النساء، قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا إني أعبدكم لله (أو قال أتقاكم) ، ولكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني " (1) .

وهُدي المسلمون إلى ذلك التوازن الجميل بين الدنيا والآخرة، وبين الاهتمام بمطالب الجسد، والاهتمام بمطالب الروح، فنشأت على أيديهم تلك الحضارة المؤمنة التي أشرنا إليها مرات عدة، بينما انتقلت أوربا كما أسلفنا، من دين بلا حضارة، إلى حضارة بلا دين!

*... *... *

الخلل الثالث: هو عجز الفكر الغربي عن التوفيق بين عالم الغيب وعالم الشهادة:

في الفترة الكنسية، كان الإيمان بعالم الغيب هو " الجو العام "، الذي تعيش فيه النصرانية: الإيمان بالله وملائكته، والوحي والرسالة، واليوم الآخر.. وما حول ذلك من المعاني، ولكن على حساب الاهتمام بعالم الشهادة وإدراك أسراره أو الاهتمام بها.

وكل رسالة سماوية، قد عنيت بالتركيز على عالم الغيب. ولا غرابة في ذلك. فالبشر عرضة - بسبب ما ركب في طبائعهم من شهوات ومطالب جسدية - أن ينشغلوا بعالم الشهادة، الذي تتحقق فيه تلك الشهوات، ويُهملوا عالم الغيب، الذي يمنحهم " المنهج "، الذي ينظمون به حياتهم، ويترفعون بتطبيقه إلى المستوى اللائق بالإنسان.

ولقد ركز الإسلام كثيراً على عالم الغيب. ومن بين الأمثلة على هذا التركيز وصف " المتقين "، في أول سورة البقرة بأنهم (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) . [سورة البقرة، الآية 3] . قبل أي وصف آخر.. كأن هذه هي صفتهم الأولى والكبرى. وإنها لكذلك بالفعل فعن طريق الإيمان بالغيب يؤمنون " بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر

(1) أخرجه الشيخان.

رؤية إسلامية لأحوال العالم المعاصر · الصفحة ٢١٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رؤية إسلامية لأحوال العالم المعاصرص ٢١٨