تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سبحانه وتعالى، فقالوا: (إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ) . [سورة آل عمران، الآية 181] . وتعجرفوا

على عباد الله، حتى وصفوهم بأنهم هم الحمير الذين خلقهم الله ليركبهم شعب الله المختار، وحرصوا

على الحياة أشدّ الحرص: (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ) . [سورة البقرة، الآية 96] . وحرّفوا

التوراة وسِيَر الأنبياء ليبيحوا لأنفسهم كل رذيلة، وقالوا: (لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ) . [سورة آل عمران، الآية 24] .

فلزم لهم - في علم الله - جرعة روحية هائلة، توازن ماديتهم التي غرقوا فيها، وتوجيهٌ مركّز إلى الآخرة ليوازن اشتغالهم الشديد بالحياة الدنيا.

ولكن النصارى - لأمر ما - " تجاوزوا المقدار " فلم يستخدموا العلاج في مكانه، وبالقدر الذي ينشئ السلامة والتوازن، وإنما جنحوا إلى الرّوحانية وإلى العالم الآخر جنوحاً أدى بهم إلى الرهبانية، وإهمال مطالب الجسد وكبتها، وإهمال الدنيا وعمارة الأرض.

ونشأن من ذلك اختلال في حياتهم، تمثل في فضائح الأديرة، وما حدث فيها من المفاسد، وتمثل في التخلف العلمي والمادي والحضاري.

(وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) . [سورة الحديد، الآية 27] .

وحين احتك النصارى بالمسلمين، شهدوا ما كان عليه المسلمون يومئذ من نشاط موار في كل الاتجاهات، فتاقت أنفسهم إلى ممارسة الحياة في عالم الواقع، فانقلبوا انقلابة كاملة من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال! من إهمال الدنيا إلى الفتنة بها، ومن إهمال الجسد وكبت رغبائه إلى الإغراق في المتاع الحسي، وإهمال عالم الروح.

وفي الحالين كان هناك خلل يُفسد الحياة.

ولقد تلقى المسلمون في كتاب ربهم توجيهات مماثلة لما تلقاه بنو إسرائيل على لسان المسيح عليه السلام، ولكنهم قطّ لم يجنحوا إلى الرهبانية، لأنهم نهوا عنها، وهُدوا إلى الوسطية المتوازنة التي لا تجنح هنا ولا تجنح هناك.

فلما جاء الرّهط الثلاثة، فقال أحدهم: إني أصوم الدهر ولا أفطر، وقال

رؤية إسلامية لأحوال العالم المعاصر · الصفحة ٢١٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رؤية إسلامية لأحوال العالم المعاصرص ٢١٧