(الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) . [سورة الرعد، الآية 28] .
" واعلم أن ما أصابك لم يكن ليفوتك وأن ما فاتك لم يكن ليصيبك " (1) .
ومن هذا التوازن الجميل في الاعتقاد، تحقق توازن جميل في واقع الأرض، فخرجت حضارة تعمل بأقصى طاقتها وفاعليتها في تعمير الأرض، وهي مؤمنة بالله.
ولكن الفكر الغربي عجز عن الاهتداء إلى هذا التوافق الجميل المتوازن، سواء في عهده الكنسي، أو في عهده المتمرّد على الكنيسة..
في العهد الكنسي كما رأينا آمن بفاعلية قدر الله على حساب فاعلية الإنسان.. فلما احتك الأوربيون بالمسلمين في الحروب الصليبية وفي مجال العلم والحضارة في الأندلس وغيرها، انبعثت فيهم الرغبة الجياشة في الحياة، وفي تعمير الأرض، وفي كشف مجاهيلها، وفي ممارسة النشاط الذي حرّمته الرهبانية من قبل.. فوجدوا دينهم عائقاً عن ذلك كله، فانقلبوا عليه انقلابة كاملة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.
من الإيمان بفاعلية قدر الله على حساب فاعلية الإنسان، إلى الإيمان بفاعلية الإنسان على حساب فاعلية قدر الله!
خلل واضح في كلتا الحالتين..
والحركة " الإنسانية " التي تولدت عنها " العلوم الإنسانية " (2) في أوربا هي الواقع العملي لهذا الانقلاب في الفكر الأوربي.. الذي ظل يتزايد - ولا يتراجع - إلى هذه اللحظة.
هي إيمان بفاعلية الإنسان ونبذ للإيمان بقدر الله! نشأت عنه " حضارة " واسعة الأطراف، ولكنها كافرة جاحدة بالله!
وهكذا انتقلت أوربا من دين بلا حضارة إلى حضارة بلا دين!
(1) أخرجه الشيخان من حديث ابن عباس.
(2) لا تقصد أوربا بالعلوم الإنسانية العلوم المتعلقة بالإنسان كما نقلناها خطأ في جامعاتنا! إنما تقصد العلوم التي لا يرجع فيها إلى الوحي الرباني، إنما يرجع فيها إلى معلومات الإنسان وتصورات الإنسان.