تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على النحو الذي قدمته الكنيسة في " عصر الإيمان "!

ولقد آمن المسلمون إيماناً حيًّا صادقاً بفاعلية قدر الله، بل ربما كانوا أصدق الأمم إيماناً بهذه الحقيقة، من شدة ما رُكِّزَ عليها في كتاب الله الكريم سواء في مجال الخلق أو الرّزق أو إجراء الأحداث، أو الإحياء والإماتة، أو البعث والنشور والحساب والجزاء.

ولكن المسلمين آمنوا في الوقت ذاته بفاعلية الإنسان! ولم يكن إيمانهم بهذه الحقيقة من عند أنفسهم، بل بوحي من توجيهات دينهم.. ولا تناقض بين الأمرين.

فالله هو الذي خلق كل شيء وقدر كل شيء.. ومن خلق الله وتقديره أنه جعل للإنسان قدراً من الفاعلية يختار به بين الهدى والضلال، ويكون محاسباً على اختياره يوم الحساب:

(وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) . [سورة الشمس، الآيات 7 - 10] .

(وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) . [سورة الكهف، الآية 29] .

(قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) . [سورة الأنعام، الآية 104] .

وتجاور الإيمان بفاعلية قدر الله مع الإيمان بفاعلية الإنسان في قلوب المسلمين بلا تعارض ولا تناقض (ودع عنك كلام المتكلمين في قضية الجبر والاختيار التي كانت من آثار الغزو الفكري والإغريقي المبكر في حياة المسلمين، وكانت " كلاماً " معلقاً في الأبراج العاجية لا ينزل إلى واقع الناس) ، وانطلق المسلمون انطلاقتهم الكبرى في الأرض في جميع الميادين، من جهاد لنشر الدعوة، إلى علم، إلى سياسة داخلية وخارجية، إلى تجارة، إلى صناعة، إلى حضارة متعددة الجوانب، يؤمنون بفاعلية الإنسان في الأرض، ويؤمنون في الوقت ذاته بأن الأمر كله لله، فيضربون في الأرض، ويأكلون من رزق الله - كما أمرهم الله - مطمئنين في الوقت ذاته إلى قدر الله:

(هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) . [سورة الملك، الآية 15] .

رؤية إسلامية لأحوال العالم المعاصر · الصفحة ٢١٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رؤية إسلامية لأحوال العالم المعاصرص ٢١٤