تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويحسن بنا أن نعود مرة أخرى إلى التاريخ، لنتتبع جذور الانحراف الذي أدى في النهاية إلى استكبار الجاهلية المعاصرة عن عبادة الله، واتخاذ آلهة أخرى أنداداً لله.. فربما كان العرض التاريخي أكثر إقناعاً للمبهورين بقوة الغرب المادية، وأعْون لهم على إزالة الغشاوة التي تغشى على تفكيرهم. فقد مرّ الفكر الأوربي بمجموعة من الاختلالات - أو الشطحات - جعلته يعجز عن التوفيق بين مجموعة من " الموافقات " الكائنة في الفطرة، وينظر إليها على أنها " متناقضات " لا يمكن الجمع بينها، إنما يأخذ الإنسان مكانه منها على أحد الطرفين المتناقضين، ويترتب على الطرف الذي يختاره من بين " النقيضين " موقفه من قضايا الوجود كلها، بدءاً من موقفه من قضية الألوهية، إلى قضية الخلق، إلى قضية الأخلاق، إلى قضية التشريع، إلى قضية العلم، إلى قضية السياسة، إلى قضية الاقتصاد، إلى قضية الفن.. الخ.. الخ.. الخ.

ونختار من بين هذه الاختلالات التي وقع فيها الفكر الغربي أربعة بالذات، كان لها الأثر الأكبر في تشكيل فكر الجاهلية المعاصرة وسلوكها وأخلاقها، ولا يعني هذا أنها الاختلالات الوحيدة في ذلك الفكر، فهي كثيرة كثيرة، ولكن ربما كانت كلها في النهاية راجعة إلى الاختلات الأربعة الكبرى التي اخترناها للحديث.

أول هذه الاختلالات: عجز الفكر الغربي عن التوفيق بين فاعلية قدر الله وفاعلية الإنسان.

ففي الفترة الكنسية آمن الناس - بتأثير التوجيه الكنسي - بفاعلية قدر الله المطلقة، على حساب فاعلية الإنسان. فالله هو الفعال لما يُريد، وقدره هو النافذ، والكون جميعاً مسخّر بأمره، والإنسان كذلك مُسخّر بأمر الله، لا يملك من أمر نفسه شيئاً، ولا من أمر غيره. فهو السلبية الكاملة إزاء الإيجابية المطلقة.

ولا شك أن فاعلية قدر الله حقيقة أزلية كبرى، لا يصحّ دون التسليم بها إيمان، ولا تسلم عقيدة، ولا يستقيم فكر. وأي تصور يخالف هذه الحقيقة هو شرك صريح.

ولكن الإيمان بفاعلية قدر الله لم يكن يتقضي بالضرورة الإيمان بسلبية الإنسان،

رؤية إسلامية لأحوال العالم المعاصر · الصفحة ٢١٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رؤية إسلامية لأحوال العالم المعاصرص ٢١٣