ولكن قائلاً قد يقول - وقد قرأ التفسير المادي للتاريخ وتأثر به - ما قيمة " لو " في عالم الواقع؟
إن الذي حدث بالفعل أن المسلمين عجزوا في عالم الواقع عن تحقيق الإسلام في صورته " المثالية "، وانحسروا وضَعفوا وتَراجعوا، وأن أوربا تقدمت وتحضرت وتقوّت حين نبذت الدين. فموت الدين إذن كان " حتمية تاريخية "، كما أنه كان أمراً لازماً من أجل تقدم البشرية و " تطورها ".
وكلا الأمرين غير صحيح..
فأما بالنسبة لأوربا فلم يكن حتماً أن تجري الأمور فيها على النحو الذي وقعت به.
لقد كان نبذ أوربا لدين بولس ضروريًّا لها بالفعل، لكي تنعتق من أغلاله وأوهامه وانحرافاته، وتنطلق نحو القوة والعلم والتمكين في الأرض. أما نبذ الدين جملة، وإقامة الحياة على أسس معادية للدين فلم يكن ضرورة، إنما هي حماقة جديدة ارتكبتها الكنيسة بمحاربتها للأثر الذي أحدثته الثقافة الإسلامية في ربوع أوربا، ثم استغل اليهود تلك الحماقة لحسابهم الخاص.
وأما التمكين المادي الذي حصلت عليه أوربا بعد نبذها لدين بولس ثم نبذها للدين عامة، فهو حقيقة واقعة، ولكنه لا يحمل الدلالة التي تُلصق دائماً به.. لأنه لا يحمل في طياته شهادة " الصلاحية " بالمقياس الإنساني الصحيح. فلقد حقق جوانب من الكيان
الإنساني ولا شك، ولكنه عجز عن تحقيق الجانب الأعلى والأكرم والأثمن في الإنسان، وهو " القيم العليا " التي خلق الإنسان من أجلها، ومن أجلها أسجدت له الملائكة.
ولقد مر بنا في السنن الربانية أن التمكين في الأرض يعطيه الله للمؤمنين والكافرين، للمصلحين والمفسدين:
(كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً) . [سورة الإسراء، الآية 20] .
(فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ) . [سورة الأنعام، الآية 44] .