تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ما أبعد الشّقة بين قيام الحركة الصناعية في العالم الإسلامي المتنور، وقيامها في أوربا التي تخرج من جاهلية إلى جاهلية، تتخبّط فيها كما يتخبط الذي مسّته الشياطين.

وقد قال تعالى عن الربا:

(الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ) . [سورة البقرة، الآية 275] .

فكيف بالذين يأكلون الربا ويُمارسون الفواحش ويشربون الخمر ويُدمنون المخدرات ويتعمدون مخالفة أمر الله في الكبيرة والصغيرة ليطيعوا أمر الشيطان؟!

لقد تقدمت أوربا تقدماً هائلاً في العلوم النظرية والتطبيقية والعمارة المادية للأرض.. ولكن هذا كله جاء على حساب " الإنسان "، كما قال ألكسيس كاريل بحق في كتابه الجيد " الإنسان.. ذلك المجهول ".

لم يكن مقتضى التقدم العلمي والمادي - والسياسي والحربي والاقتصادي - أن يخرج الناس من دينهم وأخلاقهم وإنسانيتهم، ولا كان مقتضى محافظة الناس على دينهم وأخلاقهم وإنسانيتهم، أن يقعدوا عن التقدم العلمي والمادي والسياسي والحربي والاقتصادي، كما تخيلت أوربا في جاهليتها المعاصرة، وكما خيّلت للناس من خلال سيطرتها على العالم.

إنما كان ذلك كله لانحرافات محلية في أوربا من ناحية، ولغياب النموذج الصحيح من ناحية أخرى.

ففي أوربا كانت الكنيسة ومفاسدها وتحريفها للدين، وفي العالم الإسلامي كان التراجع والانحسار والضعف، نتيجة التفريط في دين الله، وفي المنهج الرباني الذي أنزله الله لتستقيم به حياة الناس في الأرض:

(دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) . [سورة الأنعام، الآية 161] .

كلتا الأمّتين وقعت في الوزر. ولكن الوزر الأكبر والأثقل لا شكّ هو وزر الأمة التي أخرجها الله لتكون خير أمة، ولتكون شاهدة على كل البشرية.

ولم أر في عيوب الناس عيباً... كنقص القادرين على التمام

*... *... *

رؤية إسلامية لأحوال العالم المعاصر · الصفحة ٢٠٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رؤية إسلامية لأحوال العالم المعاصرص ٢٠٠