تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

30) هاجر النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة وهاجر السابقون

الأولون من أصحابه فآواهم إخوانهم الأنصار الذين كانوا أسلموا في موسم الحج

بمكة، وبايعوا النبي صلى الله عليه وسلم على أن يمنعوه من كل معتد كما يمنعون

ويحمون أنفسهم وأولادهم، وبذلك صار حربا للعرب عامة، وأهل مكة خاصة، أي

صاروا يعدونه محاربا ويعدهم محاربين بحسب العرف العام في ذلك الزمان، فكان

المؤمنون مع المشركين يومئذ كالعثمانيين مع البلقانيين اليوم، لا يقدر أحد أن ينال

من الآخر نيلا فيقصر فيه، بل كانت العرب قبل البعثة وفي عهدها في غزو دائم

وقتال مستمر، لا يعصم قبيلة من قبيلة إلا بأسها وقوتها، أو المعاهدات التي كانت

تفي بها، فكانت كل قبيلة تتوقع القتال في كل أوان من كل قبيلة ليس بينها وبينها

عهد أو حلاف، فالحرب (معلنة) عرفا في كل زمان ومكان، إلا ما كان لهم من

التقاليد المتبعة في الأشهر الحرم والبلد الحرام، ومن البين الجلي أن البدء بالقتال لا

يعد من الاعتداء في مثل هذه الحال، ومع ذلك كان المشركون هم الذين يعتدون

على النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، ويحزبون عليهم الأحزاب، فكان قتاله

صلى الله عليه وسلم كله دفاعا حتى ما كانت صورته هجوما، وكانت القاعدة

الأساسية للحرب قوله تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن

الله لا يحب المعتدين} (البقرة: 190) .

ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يطلب بالقتال ملكا، وقد رغبوا إليه في مكة

أن يجعلوه ملكا عليهم بشرط أن يترك دعوته، وعرضوا عليه كل ما يقدرون عليه

من مال ومتاع، فلم يقبل ذلك وهو في حال الضعف والاحتياج، وكان دفاعه في

أكثر سني الهجرة دفاع الضعف للقوة، إلى أن أظفره الله الظفر الأكبر بفتح مكة،

وأظهر الآيات على حرصه صلى الله عليه وسلم على حقن الدماء وكراهته للقتال،

رضاؤه بصلح الحديبية وهو في قوة ومنعة، على ما في ذلك من الشروط الثقيلة

التي كرهها يومئذ جميع الصحابة، حتى تراءى للنبي صلى الله عليه وسلم أنهم

خرجوا أو كادوا يخرجون من الطاعة. فالقتال الديني الحقيقي هو ما كان دفاعا عن

الدعوة وأهلها، أو لحمايتها وحمايتهم في نشرها وتعميمها.

أما غير العرب فلم يتصد النبي صلى الله عليه وسلم إلا إلى قتال الروم منهم

في غزوة تبوك وكان سببها أنه بلغه أن الروم قد جمعت جموعا كثيرة بالشام وقدموا

مقدماتهم إلى البلقاء لقتال المسلمين بإغراء متنصرة العرب، ولولا ذلك لما أمر

بالخروج في ذلك الوقت الذي كان المسلمون فيه في عسرة ومجاعة، وقد أدركت

ثمارهم فاضطروا إلى تركها، والحر شديد، والشقة بعيدة، والعدد كثير، ولهذا

كانت هي الغزوة التي ظهر فيها صدق الصادقين ونفاق المنافقين.

على أن نشر الدعوة في ذلك العصر كان متعذرا بغير قوة يأمن بها الدعاة

على أنفسهم، وكان جيران جزيرة العرب من الروم في الشام ومصر، والفرس

والعراق قد اعتدوا على بعض أهلها وأخضعوهم لسلطانها، فلما اجتمعت كلمة أكثر

العرب في الجزيرة بجامعة الإسلام، صار أولئك الجيران عدوا لهم،

وكان العدو حربا لعدوه حيث كان، فكان لا مندوحة للمسلمين - والحال ما ذكرنا - أن

يؤيدوا نشر الدعوة بما يستطيعون من قوة، ولكنهم لا يستعملون القوة إلا عند الحاجة

أو الضرورة، فكانوا يعرضون على الناس الإسلام، فإن أجابوا كانوا

مثلهم، وإلا اكتفوا منهم بأخذ جزية قليلة تكون اكتفاء شرهم، وتركوا لهم الحرية

في أنفسهم وأموالهم ودينهم، حتى إنهم لا يجبرونهم على التحاكم إليهم، وإن

تحاكموا إليهم ساووهم في ذلك بأنفسهم، فلم يكن الغرض من هذا إلا أن تكون دعوة

الحق في حماية قوة يمكن بها إظهارها كما يعتقدها ويدين لله بها أربابها، من غير

اعتداء على دين أحد ولا ماله، ما دام محافظا على ذمته وعهده، فهكذا كانت سيرة

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٧