تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتخويفا، يأكلون تراث الأمة أكلا لما، ويحبون المال حبا جما، إذا دعوتهم إلى

الحق ولوا منك فرارا، وجعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا

واستكبروا استكبارا، وقد مكروا بأناس استخدموهم لغش المسلمين مكرا كبارا،

فاتبعوا من لم يزده ماله وجاهه إلا خسارا، وكان من كيدهم ومكرهم - وعند الله

عاقبة مكرهم - أنهم عجزوا عن إسكان حركة الإصلاح، وإسكات نداء دعاته: حي

على الفلاح، أرادوا إفساد أمرها بتوسيدها إلى غير أهلها من المنافقين المتزلفين

إليهم، الراضين أن يكونوا آلات في أيديهم، فنصروا هؤلاء على أبناء بجدتها،

وآباء عذرتها، كما وسدت صروف الزمان إليهم من الأمر ما ليسوا له بأهل، فدنت

بذلك ساعة الأمة، وقد جاء أشراطها , ولا تلبث أن تأتي بغتة، قال الصادق

المصدوق صلى الله عليه وسلم: (إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظروا الساعة)

رواه البخاري في صحيحه.

هذا هو السر في تناقض بعض الصحف التي ظهرت بعد ظهور الفئة الباغية،

والجمعية الطاغية الإسلامية في الظاهر الاتحادية في الباطن؛ إذ تمدح الإسلام

وتنفر عن الأعمال التي تحييه وتطعن في القائمين بها، وتدعو إلى الجامعة

الإسلامية، وتلقي الشقاق بين العاملين لها، ويزاحم أهلها المصلحين، وهم أعوان

المفسدين، ومنهم من تخدع رؤيته وتفتن خلابته ويغر ببكائه أو تباكيه، والمنافق

يملك عينيه فيبكي بهما متى شاء.

فكم أذرى الدموع لنهب مال ... وكم أبدى الخشوع لنيل جاه

ومنهم من لو علم المغرورون برقته، حقيقة حاله في علمه وعمله وعقيدته،

لولوا منه فرارا، وأعرضوا عنه ازورارا، واستصغروا أنفسهم استصغارا،

لتعجلهم باتباع كل ناعق، وعدم التزييل بين الصادق والمنافق، وستظهر للجميع

الحقائق، فحبل الكذب وإن طال قصير، ومصير المنافقين شر مصير. وإنما

نخشى أن لا تظهر العبرة إلا بعد خراب البصرة، وأن يأخذ الله المسلمين كافة بما

جنته تلك الفئة الباغية ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾ (الأنفال:

25) .

ذلك بأن الأمة تحتاج إلى ضروب من الإصلاح يمد بعضها بعضا، وأصولها

خمسة: الديني، والعلمي، والاجتماعي، والسياسي، والمالي، وقد تداعت هذه

الأصول كلها في العالم الإسلامي، ولا يسهل إقامة بعضها إلا بإقامة باقيها؛ لهذا

أردنا عندما لاحت لنا من الآستانة بارقة الأمل في الإصلاح السياسي أن ننشئ فيها

عملا كبيرا من الإصلاح الديني والعلمي، الذي هو أكبر عون على غيره، ولا

سيما الإصلاح الاجتماعي، فعلمنا أن ما لاح لنا كان برقا خلبا، وسرابا بقيعة

يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا، بل تبين لنا أن مثل ذلك البلاء

النازل، الذي تراءى بصورة الإصلاح الخادع، كمثل ذلك العذاب الذي نزل

بصورة العارض {فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا

بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم * تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا

يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين} (الأحقاف: 24-25) .

أجل، إن هذا العذاب ليمثل ذلك الانقلاب، الذي حسبنا أن وراءه ما نرجو

من الإصلاح، فكان بسوء تصرف ذويه عين الإفساد، وقد أنذرنا الأمة سوء عاقبته،

وخطر مغبته، فتماروا بالنذر {وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر * ولقد

جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر * حكمة بالغة فما تغن النذر} (القمر: 3-5)

وقد هزم الجمع وولوا الدبر، فبأي القول والفعل بعد ذلك يعتبر، فإن لم يتدارك

الأمر أهل البصيرة والنظر، فلا منجاة بعد ذلك ولا مفر {بل الساعة موعدهم

والساعة أدهى وأمر} (القمر: 46) لا أريد الإشارة إلى قيامة الناس كافة، بل

أريد قيامة هذه الأمة خاصة، فإذا هي فقدت هذا الرمق من استقلالها، وزال هذا

الذماء الذي تتردد به أنفاسها، فأي نوع تملكه بعده من أنواع إصلاحها.

فليس الخطر الذي نخشاه اليوم على الإسلام هو كيد المفسدين لدعاة الإصلاح

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٣