العالمين، والمهوسين لا المعتدلين. اه مع تلخيص وزيادة.
ولا يخفى أن الأصل في هذا الباب قوله تعالى: {ولا تجادلوا أهل الكتاب
إلا بالتي هي أحسن} (العنكبوت: 46) وقوله سبحانه: ﴿وقولوا للناس حسنا﴾ (البقرة: 83) وقوله جل ذكره: {يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم
عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا
أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم
الظالمون} (الحجرات: 11) ولا تنس ما أسلفنا عن السلف في تفسيرها.
* * *
حملة الأعلام المحققين على المتفقهة المكفرين
لما استفحل الرمي بالتكفير والتضليل لخيار العلماء في منتصف قرون الألف
الأولى من الهجرة ضجت عقلاء الفقهاء، وصوبت سهام الردود في وجوه زاعمي
ذلك، حتى قالت الحنفية - عليهم الرحمة - ما معناه: (لو أمكن أن يكفر المرء في
أمر من تسعة وتسعين وجها، ومن وجه واحد لا يكفر؛ يرجح عدم التكفير على
التكفير لخطره في الدين) .
ولم يشتد الرمي بالتكفير والإرهاق لأجله والإرجاف به في عصر من
العصور مثل القرن الثامن للهجرة، ومن سبر تاريخ الحافظ ابن حجر المسمى
(بالدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة) أخذه من ذلك المقيم المقعد؛ إذ يرى
أن العالم الجليل الذي هو زينة عصره وتاج دهره، كان لا يأمن على نفسه
من الإفك عليه والسعاية به فيما يكفره ويحل دمه، حتى صار يخشى
على نفسه من أخذت منه السن، وأقعده الهرم، وأفلجته الشيخوخة، ولا من
راحم أو منصف - كما تقرأ ذلك في ترجمة علاء الدين العطار تلميذ الإمام
النووي، وأنه مع زمانته، وكونه صار حلس بيته، يتأبط دائما وثيقة أحد
القضاة بصحة إيمانه وبراءته من كل ما يكفره، ولقد أريقت دماء محرمة،
وعذبت أبرياء بالسجون والنفي والإهانات باسم الدين، وروعت شيوخ وشبان
أعواما وسنين، حتى عج لسان حالها وقالها بالدعاء إلى فاطر الأرض
والسموات، بكشف هذه الغمم والظلمات، ولم يزل سبحانه يملي لها
ويستدرجها في غيها، ولم تحسب للأيام ما خبئ لها في طيها، إلى أن امتلأ
إناؤها، وحان حصدها وإفناؤها، فأخذها الله وهي ظالمة جائرة، ودارت
على دولتها الدائرة، ومحق الله بفضله تلك الدولة المجنونة الجاهلة، وأورثها
للدولة الصالحة العاقلة، فأمنت الناس على أنفسها ودمائها، وذهبت عصبة الجمود
بزبدها وغثائها.
سيقول بعض الناس ممن تغره القشور، ولم تقف مداركه على لباب روح
العصور: إن تلك الدماء المراقة والأرواح المهدرة، لم يحكم عليها إلا
بالبينة والشهود، التي بمثلها تقام الحدود، وهل بعد ذلك من ملام أو جحود؟
يقول ويجهل أو يتجاهل أن التعصب يحمل على الأخذ بالظنة، أو الإيقاع بالشبهة،
وأن المتطوعة بالشهادة قد يحملهم على اختلاقها ظن الأجر بنصرة الدين بقتل
هؤلاء المساكين، لا سيما إذا دفعوا بتشويق المتصولحين والمتمفقرين [2] ،
والحشوية البكائين، احتيالا وقنصا للمغفلين.
ولقد استفيض عن كثير من هؤلاء الضالين المضلين الإغراء بقتل
الداعين إلى الكتاب والسنة، والمجاهدين في الإصلاح العاملين، على أن
قاعدة المحققين هي عدم البت في أمر تاريخي إلا بعد تعرفه من أطرافه، ومراجعة
عدة أسفار للوقوف على كنهه وحقيقته، والإشراف على غثه وسمينه، ووزنه
بميزان العقول السليمة، والقواعد الاجتماعية المعقولة، كما أشار إليه الإمام ابن
خلدون في مقدمته.
نحن لم نصم أعمال أولئك بالظلم والجور والبغي إلا لما فضح نبذا منها
الإمام زين الدين ابن الوردي الشهير صاحب (البهجة، واللامية، والديوان،
والمقامات) فقد شفى بالحقيقة الأوام، وأوضح عن مكر أولئك بالتمويه
والإيهام في مقالة بديعة أنشأها في القاضي الرباحي المالكي [3] سماها
(الحرقة للخرقة) . ولا بأس بنقل جمل منها تأييدا لما قلناه، قال رضي الله عنه: