تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفضلاً عن أهمّيّة التفريق بين "الثقافة" و "العلوم" البحتة، يجدر بالباحث في التاريخ الثقافيّ للأمم والمجتمعات التنبّه إلى الفرق بين "الثقافة" بإطلاقها و"ثقافة المجتمع" على وجه الخصوص، ولا سيّما حين يكون البحث في الثقافة من حيث تأثيرها في تشكيل علاقات المجتمع، أو بتعبير آخر، من حيث وظيفتها في صياغة النمط الحضاريّ لذلك المجتمع(1).

ذلك أنّه إذا نظر الباحث في التراث الفكريّ والثقافيّ الّذي شهده مجتمعٌ ما خلال حقبة من التاريخ دون التدقيق في سيرة ذلك المجتمع وما يصوغ حياته وطريقة عيشه، فإنّ هناك احتمالاً كبيراً أن يقع في الخطأ والضلال في حكمه على هويّة ذلك المجتمع والثقافة الّتي تعطيه خصوصيّته الحضاريّة. وما ذلك إلاّ لأنّه -حين النظر في ذلك التراث- لم يستطع أن يفرِّق بين الجانب الّذي يعبّر عن العرف العامّ للمجتمع والّذي يوجّه حركته وينظِّم علاقاته، وذلك الجانب الّذي لم يكن معبِّراً إلاّ عن أفراد اشتغلوا ببعض الدراسات الفكريّة والثقافيّة الّتي لا تعبّر بالضرورة عن اهتمام المجتمع، أو كان معبّراً عن شريحة معيّنة –صغيرة كانت أو أكبر قليلاً– في المجتمع، أو عن بعض الجماعات المنفصلة فكراً وشعوراً عن المجتمع والمنخرطة بين جنباته. وهكذا، فإنّ من شأن الوقوع في هذا الخطأ أن يؤدِّي إلى إطلاق أحكام لا أساس لها من الصحّة على المجتمع، لمجرّد أنّ الباحث قرأ ما أنتجته حقبة من الزمان من دراسات ومؤلَّفات وآراء قد تعبّر عن ثقافة المجتمع وقد لا تعبّر عنه .

(1) - راجع في بحثنا هذا: تعريف الحضارة والثقافة .

نشوء الحضارة الاسلامية · الصفحة ٧٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

نشوء الحضارة الاسلاميةص ٧٩