تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأمّا اختلاط المسلمين الفاتحين بغيرهم فكان من أكبر العوامل أثراً في دخولهم الإسلام وانصهارهم مع باقي المسلمين. ذلك أنّ المسلمين بعد أن فتحوا البلاد سكنوها وصاروا يعلّمون أهلها الإسلام ويثقّفونهم بالثقافة الإسلاميّة، وسكنوا معهم في بيوت متجاورة حتّى صارت البلاد مسكونة بالفاتحين وأهل البلاد الأصليّين. وقد اشتركوا في جميع شؤون الحياة وصاروا جميعاً سكّان بلد واحد يطبّق عليهم نظام واحد، ولم يعودوا فئتين غالبين ومغلوبين، وإنّما كانوا جميعاً رعيّة الدولة. ورأوا في الحكّام نوعاً آخر من الناس لم يكونوا يعرفونهم، «ذلك أنّهم اتّصلوا منذ الوقائع الأولى بسكّان البلاد المجاورة الأصليّين الّذين كان يبغي عليهم قاهروهم منذ قرون كثيرة والّذين كانوا مستعدّين لأن يستقبلوا بترحاب وحبور أيّ فاتح يخفّف وطأة الحياة عنهم، وكانت الطريق الّتي يجب على الخلفاء أن يسلكوها واضحة، فعرفوا كيف يُحْجمون عن حمل أحد بالقوّة على ترك دينه وعرفوا كيف يبتعدون عن إعمال السيف فيمن لم يسلم، وأعلنوا في كلّ مكان أنّهم يحترمون عقائد الشعوب وعرفها وعاداتها، مكتفين بأخذهم، في مقابل حمايتها، جزية زهيدة تقلّ عمّا كانت تدفعه إلى سادتها السابقين من الضرائب (…) وقد بالغ العرب في الوقوف عند حدّ هذه الشروط والتقيّد بها فأحبّهم المصريّون الّذين ذاقوا الأمرّين من ظلم عمّال قياصرة القسطنطينيّة النصارى، وأقبلوا على اعتناق دين العرب ولغتهم أيّما إقبال . ونتائج مثلُ هذه لا تُنال بالقوّة»(1).

لقد رأت الشعوب في هؤلاء الحكّام صفات عالية حبّبتهم إليهم وحبّبت إليهم الإسلام. وكان الحكّام وسائر المسلمين يتزوّجون من أهل الكتاب ويأكلون ذبائحهم وطعامهم، فكان هذا الاختلاط حافزاً لدخولهم الإسلام، لأنّهم رأوا أثر الإسلام في هؤلاء الفاتحين(2) .

(1) - حضارة العرب - ص 134- 135

(2) 1- انظر : الدولة الإسلاميّة – ص 164-165

نشوء الحضارة الاسلامية · الصفحة ٦٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

نشوء الحضارة الاسلاميةص ٦٦