يقول "هاملتون جب": «إنّ التاريخ الإسلاميّ سار في وجهة معاكسة للتاريخ الأوربّي على نحو يثير الاستغراب، كلاهما قام على أنقاض الإمبراطوريّة الرومانيّة في حوض المتوسط، ولكنّ بينهما فرقاً أصيلاً: فبينما خرجت أوربّا على نحو متدرّج لا شعوريّ بعد عدّة قرون من الفوضى الناجمة عن غزوات البرابرة، انبثق الإسلام انبثاقاً مفاجئاً في بلاد العرب وأقام بسرعة تكاد تعزّ على التصديق في أقلّ من قرن من الزمن إمبراطوريّة جديدة في غربي آسيا وشواطئ البحر المتوسط الجنوبيّة والغربيّة… أمّا الإسلام فإنّه بعد أن أقام نظاماً سياسياً شمل جميع المناطق المنشقّة -ومن ضمنها فارس الّتي كانت قد قضت قروناً وهي في صراع سياسيّ مع روما، صراع تسنده عقيدة دينيّة منافسة- واجه مهمّة أخرى هي إدخال هذه المناطق في نظام ثقافيّ دينيّ مشترك قائم على مفهومه العالميّ الشامل. فكان عليه من أجل تحقيق هذا الهدف أن يقاوم تأثير المفهوم العالميّ السابق (أي المسيحيّة) في غربيّ آسيا والنصف الجنوبيّ من حوض المتوسّط ويضعفه إلى أقصى حدّ ممكن، وأن يحطِّم الزرادشتيّة والديانات الثنويّة في فارس وما بين النهرين، وأن يقيم حاجزاً في وجه انتشار البوذيّة في أواسط آسيا(1)».
(1) - هاملتون جب – دراسات في حضارة الإسلام – ترجمة إحسان عبّاس ومحمّد نجم ومحمود زايد– بيروت– دون تاريخ – ص4-5