وبقي ما أورده المؤرِّخون من اتّخاذ المظاهر والتشريفات والرسوم والأزياء والمصطلحات الّتي كان معمولاً بها لدى الإمبراطوريّة الساسانيّة، كالّذي سبق ونقلناه عن "بروكلّمان"، وكالّذي ينقله "أحمد أمين" عن "الجهشياري" من «أنّ الفضل بن سهل بن زادا نفروخ -ذا الرياستين- كان يجلس على كرسيّ مجنّح، ويُحمل فيه إذا أراد الدخول على المأمون، فلا يزال يُحمل حتّى تقع عين المأمون عليه، فإذا وقعت وُضع الكرسي ونزل عنه فمشى، وحُمل الكرسيّ حتّى يوضع بين يدي المأمون، ثمّ يسلّم ذو الرياستين ويعود فيقعد عليه... وإنّما ذهب ذو الرياستين في ذلك إلى مذهب الأكاسرة، فإنّ وزيراً من وزرائها كان يُحمل في مثل هذا الكرسيّ، ويقعد بين أيديها عليه ويتولّى حمله اثنا عشر رجلاً من أولاد الملوك». وينقل عنه أيضاً أنّه «كان من رسم ملوك الفرس أن يلبس أهل كلّ طبقة ممّن في خدمتهم لبسة لا يلبسها أحد ممّن في غير تلك الطبقة، فإذا وصل الرجل إلى الملك عرف بلبسته صناعته والطبقة الّتي هو فيها. فكان الكتاّب في الحضر يلبسون لبستهم المعهودة… وكانت ملوك الفرس تسمّي كتّاب الرسائل تراجمة الملوك…»(1). وهناك العديد من النصوص الّتي تصف دخول تلك المظاهر إلى الدولة العبّاسيّة .
والواقع أنّ هذه الأشياء والمظاهر -وإن تحفّظ الإسلام على بعضٍ منها لما تحويه من علامات الكبرياء والإسراف والبذخ- لا يصحّ أن تصنّف في خانة الهويّة الحضاريّة. وإنّما هي من مظاهر الرفاهية والمدنيّة الّتي تظهر في أيّ دولة تصل إلى درجة عالية من الازدهار والمجد والرخاء. ولا تختصّ بحضارة دون أخرى.
(1) - ضحى الإسلام - ج1 - ص 169