وقد أورد هؤلاء المستشرقون بعض الاستدلالات على زعمهم هذا، فقالوا: «كان في الشام مدارس للقانون الرومانيّ عند الفتح الإسلاميّ في قيصريّة وفي بيروت، وكان هناك محاكم تسير في نظامها وأحكامها حسب القانون الرومانيّ، واستمرّت هذه المحاكم في البلاد بعد الإسلام زمناً، قالوا: وطبيعيّ أنّ قوماً لم يأخذوا من المدنيّة بحظّ وافر إذا فتحوا بلاداً ممدّنة نظروا ماذا يفعلون، وبم يحكمون، ثمّ اقتبسوا عن أحكامهم، وقالوا: إنّ المقارنة بين بعض أبواب الفقه وبعض أبواب القانون الرومانيّ تقنعنا بما نقول، بل إنّ هناك قواعد نُقلت من القانون بنصّها مثل: "البيّنة على من ادّعى واليمين على من أنكر" وأنّ كلمتي الفقه والفقيه استعملتا وفاقاً لمعنى الكلمة المستعملة عند الرومان، فهم يستعملون كلمة "Juris"، وهي تدلّ على الفهم والمعرفة والحكمة. وقالوا: إنّ الفقه الإسلاميّ أخذ عن القانون الرومانيّ إمّا مباشرة أو عن طريق التلمود، فإنّ هذا التلمود أخذ كثيراً من القانون الرومانيّ، واتّصال المسلمين باليهود مكّنهم من الأخذ ببعض أقوال التلمود…»(1).
إنّ محاكمة هذه المزاعم الّتي أوردها هؤلاء الغربيّون - من مستشرقين وغيرهم - لا تحتاج إلى كثير من العناء في النظر، فهي ظاهرة البطلان من وجوه عديدة، أهمّها:
(1) - فجر الإسلام – ص 246-247