لقد اعتاد المؤرِّخون الغربيّون على التغنّي باللوحة الفسيفسائيّة المؤلَّفة من العناصر الحضاريّة والثقافيّة الّتي أتت من كلّ جانب من جوانب الحضارات لتشكّل معاً لوحة رائعة الألوان أتقن العرب سبكها ومزجها والتوفيق بينها، فكانت من أروع اللوحات أناقة في التاريخ. ولنُعطِ مثالاً على ذلك تعبير الأميركي "لوثروب ستودارد" الّذي يرى أنّ العرب كانوا «أمّة موهوبة جليلة الأخلاق والسجايا، توّاقة إلى ارتشاف العلوم، محسنة في اعتبار نِعم التهذيب، تلك النعم الّتي قد انتهت إليها الحضارات السالفة. وإذ شاع بين الغالبين والمغلوبين التزاوج ووحدة المعتقد، كان اختلاط بعضهم ببعض سريعاً، ومن هذا الاختلاط نشأت حضارة جديدة، الحضارة العربيّة، وهي جماع متجدّد التهذيب اليونانيّ والرومانيّ والفارسيّ. ذلك الجماع الّذي نفخ فيه العرب روحاً جديدةً، فنضر وأزهر، وألّفوا بين عناصره وموادّه بالعبقريّة العربيّة والروح الإسلاميّة فاتّحد وتماسك بعضه ببعض فأشرق وعلا علوّاً كبيراً»(1).
(1) - حاضر العالم الإسلاميّ – م1 – ص 3،4