وقد بلغت المراقبين في اليمن رواية مختلطة عن الغزو تناقلها عبر الشائعات الحجاج وبحارة البحر الأحمر، وينسب جحاف الحملة الفرنسية إلى تخطيط لتاجر فرنسي كبير لقي سوء المعاملة على أيدي الأتراك المتنصرين، في إشارة منه إلى تشارل ماجالون"، غير أنه وصف القنصل بأنه ابن ملك فرنسا، كما قال إن ماجالون" قد سجن، ثم أطلق سراحه فعاد إلى فرنسا وتقدم بشكواه إلى سلطان البلاد، بونابرت، الذي ما أن سمع بثراء مصر حتى جهز خيوله وجماله، وانطلق في سفن يقصد مصر وقد اهمل كل شيء سواها.
يسرد جحاف رواية من نسج الخيال عن محطة بونابرت الأولى في الأستانة ليحصل من السلطان سليم الثالث على إذن لمروره بمصر في طريقه إلى الهند، وعن رفض السلطان طلبه في بادئ الأمر إلى أن أظهرت زوجة السلطان الأولى تجاوبا مع مطلب بونابرت واستجابت له. غير أن بونابرت غزا مالطة العداوته للبريطانيين وهو امر تنبأ به القرآن. ثم انطلق بونابرت ليخضع الإسكندرية مما أثار انزعاج السلطان الذي أعد الجيوش لتسلك طريق الشام وتتصدى لتلك الهجمة على أراضيه. وعلى الرغم من افتقار رواية جحاف للدقة واحتوائها على عناصر من الخيال الشعبي الذي يذكرنا بألف ليلة وليلة مثل حكاية الإمبراطورة طيبة القلب، فإن مجمل الرواية لخصت ديناميات الصراع إلى حد مرض. ولعل الافتقار إلى الحقة يرجع إلى ما سرده بونابرت نفسه من ادعاء بأن سليم الثالث بعثه إلى مصر.
ويحكي الجيرتي وقع أخبار غزو الفرنسيين لمصر على أهل الحجاز، ففي مكة اتجه الناس إلى الحرم الشريف، وقد علا صراخهم وتعلقوا بأستار الكعبة التي تزينها فمزقوها. (37) وعادة ما تصنع كسوة الكعبة في مصر، وتصل مكة مع قافلة الحجاج كل عام، وقد اعلنت الحشود في مكة بفعلتهم هذه أن التوازن الكوني قد
463