والخطابات بالخل ولا نسك بها إلا مستعينين بملقاط خشبي". (3) ويسجل تميليه من رشيد أعراض المرض الذي يبدأ بحمى شديدة الوطاة، يعقبها صداع مؤلم، وبروز الغدد الليمفاوية في المنطقة حول العانة أو في غيرها من المفاصل حني تبلغ حجم البيضة. فإذا ظهرت تلك الغدة فقد قضي الأمر فلا يحسب المريض في عداد الأحياء، ولكن إذا انقضت أربعة أيام تجدد الأمل في نجاته، غير أن ذلك نادرا ما يحدث. ويضيف ميليه أن الفرنسيين فقدوا العدد الأكبر من رجالهم بسبب ذلك المرض. (31)
وما لبث انتشار المرض في الإسكندرية والموانئ أن بات ينشر الرعب، قد تساقط الأطباء الفرنسيون واحدا بعد الآخر. وقد أطلق أحد الضباط مزحة حين انتشرت أنباء الوباء قال فيها إن الجنود الذين يطاردون مراد بك في ص عيد مصر يخشوننا أكثر من خشيتهم المماليك". وسرعان ما صار دخول المستشفيات العسكرية الفرنسية صغيرة الحجم أمرا مستحيلا، فاستعان المرضى القادرون على الإنفاق على علاجهم بالأطباء المسلمين (الحكماء) الذين يتقاضون مبالغ باهظة، أو الأطباء الذين يتبعون الوسائل التقليدية في العلاج، وهي طرق متوارثة عن الطب الإغريقي القديم، للعناية بهم. وكان كتاب "القانون" لابن سينا، وهو طبيب وفيلسوف مسلم عاش في العصر الوسيط، يدرس في مدارس الطب الأوروبية في أواخر القرون الوسطى وبدايات العصور الحديثة. وقد انتهى بعض المفكرين في العلوم الطبية بين المسلمين إلى أن الأوبئة تنتشر بالعدوى، فطوروا بذلك ماجاء به الإغريق من نسبة الأوبئة إلى المناخ أو النجوم. وهكذا لم تكن الهوة بين الطب في الغرب والشرق واسعة في العقد الأخير من القرن الثامن عشر مثلمائد التصور اليوم، كما أن الحكيم المسلم كان يتمتع بميزة الخبرة العملية في تعامله مع هذه الأمراض.
459