ابن وصف "برنوبيه لما يتسم "الشرقيون" به من براعة في سفك الدماء يعوزه المصداقية، بغض النظر عما اتصف به من دقة في الوصف ورصد لأهوال يشيب لها الولدان. ولعل العملية التي وصفها وتشمل التغطية على الضربة القائلة ونقل أجساد الضحايا، ونشر الرمال على مواقع الدماء، قد استخدمت في بضع حالات؛ غير أن الأمر كله كان ليستغرق عشر دقائق على الأقل لكل حالة، وما كان يمكن لأكثر من عشرة أحكام أن تنفذ في الساعة الواحدة بهذا الأسلوب. ولذلك فإن وصف "ديتروي" المقتضب لما سدده الفرنسيون من طعنات لهؤلاء الرجال، الذين قيدوا بالحبال غالبا، معقول أكثر بالنسبة للعدد الأكبر من القتلى - ولا ش ك أنه أسلوب بارع في نتائجه المروعة. ويقول تييللو سارجي إن ثلاثمائة قد قتلوا بما فيهم خمسة من كبار الشيوخ، وهناك من يحدد العدد بألفي قتيل؛ وإن كان الأمر كذلك فإن المذبحة كانت لتدوم ايامنا بطولها
ويقول "برنوبية" إن جثث القتلى ألقي بها في النيل تلك الليلة، فلم يعرف القاهريون مدى العدالة الحاسمة" التي أنزلها "بونابرت" بأوامر منه، ولعل تماسيح الدلتا أصابتها التخمة في ذلك العام، فهناك ما لا يقل عن ثلاثمائة جثة تمثل حصيلة يوم واحد أضيفت إلى ما يربو على ثلاثة آلاف مصري قتلوا أثناء التمرد الذي دام ثلاثة أيام، ويدل اشمئزاز "برنوبية من الإجراءات الانتقامية الخسيسة، التي تعيد إلى الأذهان عصر لويس الرابع عشر أو أفعال الراديكاليين من أتباع "روبسبيير" Robespierre، وتبعد كل البعد عن الالتزام بالقانون الذي ميز حكومة الإدارة على تزايد الشكوك بين عدد كبير من الغزاة الفرنسيين في الدعوى المعلنة من جلب الحرية وسيادة القانون إلى وادي النيل.
وقد لاحظ برنوبية أن أبونابرت قد حقن دماء بعض أهم زعماء التمرد وذلك لأسباب سياسية، فهم، وإن كانوا قد أتوا من الأفعال ما يدينهم على نحو يفوق
421