تعرض سلاطين آل عثمان للقتل على أيدي أتباعهم، وبعضهم قضى نحبه في ثورات شعبية؛ ولذلك لم تجد الأستانة في إعدام ملك فرنسا وملكتها حدثا غير مسبوق وإن أثار الأسي، رأت النخبة العثمانية في الثورة الفرنسية حدثا سياسيا غامضا ومعقذا يخص المسيحيين اللاتين في غرب أوروبا، بل عد العثمانيون تورط الأوروبيين في مثل تلك الاضطرابات الاجتماعية المستمرة دليلا علي أفضلية الحياة في دولة مسلمة مستقرة. أضف إلى ذلك أن الأبعاد الجغرافية السياسية للتحالف التاريخي بين فرنسا والعثمانيين القائم على مخاوف مشتركة من روسيا والنمسا لم يطرأ عليها تغيير. ويضيف شو" أن السلطان سليم الثالث في واقع الأمر رحب بالثورة لما أثارته من صراع أبعد أعداءه عن إمبراطوريته في زمن انكشف فيه ضعفها وصارت عرضة لهجمات عسكرية.
وعلى الرغم من تعاطفه مع الفرنسيين فإن سليم الثالث سعى للحفاظ على علاقات طيبة مع التحالف الأول ضد فرنسا والذي ضم النمسا وروسيا وبريطانيا وإسبانيا (1892 - 1797) وظل شاغله الشاغل في تسعينيات القرن الثامن عشر هو إصلاح العسكرية العثمانية، فقد اتجه إلى تنظيم القوات الإنكشارية و إقامة جيش جديد (نظام جديد) يرتدي أزياء عسكرية حديثة ويتلقى تدريبا حسدينا ويستخدم معدات حديثة. رفض سليم أول الأمر أن يستقبل بعثة دبلوماسية رسمية من فرنسا الثورية في الأستانة، وذلك حتى لا يغضب القوى الكبرى. غير أنه خطب ود الفرنسيين بسماحه للمسئولين العثمانيين باستقبال مبعوثين غير رسميين. ونشط التجار الفرنسيون المقيمون في الدولة العثمانية في نشر أخبار التطورات في الجمهورية الفرنسية عبر صحف تصدر باللغة الفرنسية و يطلع عليها كثيرون، كما سمح العثمانيون أيضا للجمعيات الثورية الفرنسية في إستانبول أن تصدر منشورات وأن تعقد اجتماعات عامة تحشد فيها الناس، وإن كان عندهم قليلا، بل أن ي ضعوا
316