مقاليد السلطة في أنحاء كثير في سوريا، والأناضول، وتفجرت الاضطرابات لأول مرة في البلقان. ومع ذلك فالإمبراطورية لم ينقصها الموارد، وقد أدت الخسارة المفاجئة لإقليم مهم من أقاليمها إلى تضافر جهود قادتها في بحث الأمر بحثا مستفيضا، فمصير مصر لا يحدد في باريس أو لندن وحدهما، بل في الأستانة أيضا وسط دسائس الوزارة العثمانية ومؤامرات قناصل الدول الأوروبية بعضهم ضد بعض.
يصف المؤرخ العثماني احمد جودت ص دمة الباب العالي إزاء مسلك الفرنسيين الشائن نقلا عن مذكرات لمؤلفين عثمانيين من أواخر القرن الثامن عشر. يذكر جودت أن معظم ملوك اوروبا انقلبوا ضد الفرنسيين بسبب ثورتهم، لكن العثمانيين حافظوا على إرث طويل من العلاقات الودية مع باريس، فظلوا يمنحون التجار الفرنسيين حرية التعامل التجاري في الإمبراطورية. غير أن جودت بري أن تلك الحرية أوقعت بالعثمانيين بعض الضرر، وذلك إذا ما أخذنا في الاعتبار الضغوط الكبيرة التي مارسها السفير البريطاني وسفراء القوي الأوروبية الأخرى في المطالبة بإقصاء فرنسا الثورية عن المجتمع الدولي).
وعلى الرغم من أن بعض العثمانيين المحافظين استقبلوا الثورة الفرنسية بالعداء، يجدر التأكيد أن الدولة العثمانية، خلافا للإمبراطوريتين النمساوية والبريطانية، لم تبد استجابة إيديولوجية تجاه الثورة. يقول "ستانفورد شو"، أعظم مؤرخي الإمبراطورية العثمانية في تلك الفترة، بينما مثلت أفكار الثورة الفرنسية عاملا مخرنا للبنية الأجتماعية والسياسية العثمانية في مجملها فضلا عن مركز السلطان نفسه، لم يحدث في أي وقت أن ثارت مخاوف السلطان أو مسئوليه من تلك الأفكار، كما لم تبرز الرغبة في الانضمام إلى الحركة التي تستهدف وقف انتشارها". (17)
315