الفرنسية خالفت العقل، فلم تنتج في مصر احتقارا لحين غريب بل أسست لادعاء احترام الإسلام بوصفه وسيلة لخداع أهل مصر. وقد استندت تلك المواقف إلى حسابات دقيقة ونزعة لا ترى الخير في القيم الإنسانية. ويمضي "ديبوي" في خطابه قائلا: لن تصدقني إن أكدت لك أننا أضحينا في حماسة أكثر المتعصبين الدينين غلوا، بل وصل بنا الأمر إلى المشهد التمثيلي الثالث الذي قمنا به، فاستقبال قوافل الحجيج القادمين من مكة أمر خطير الشأن، ولن تملك إلا الابتسام لوكنت قد شاهدت معي جنودنا وهم يعزفون الموسيقى في مقدمة ركب الحجاج". ويكشف لنا ديبوي" أن بونابرت" أصدر أوامره للتحضير لاستقبال الحجاج الذين عادوا وما زال تراب مكة الطاهر يغطي أجسامهم، استقبالا فرنسيا مهينايدل على التقوى والورع.
كان شهران قد مضيا على الاحتفال بالمولد النبوي حين س جل الكابتن مواريه" في مذكراته أن مبالغ مالية قد دفعت للعرافين کي يعلنوا أن بونابرت" جاء في مهمة ربانية لقهر أعداء الإسلام وقد ورد ذكر تلك المهمة فيما لا يقل عن عشرين آية من آيات القرأن الكريم. (19) كما تتبا هؤلاء بان السلطان الفرنسي سيخضع للختان قريا ويعتمر عمامة، ويتبع دين محمد ومن بعده جميع أفراد جيشه. ويضيف مواريه" أن أهل السياسة في القوات الفرنسية رأوا في الخطاب الإيجابي حول الإسلام ورفع توقعات أهل مصر ضرورة لضمان أمن الجيش الفرنسي، وأشار هؤلاء إلى الممارسات الرومانية التي كانت تتجنب دوما إحداث أي تغيير في عادات الشعوب المقهورة أو أخلاقها أو قوانينها أو دياناتها. فبدلا من إرغامهم على عبادة آلهة روما فإن آلهة الإغريق وقرطاجنة كانت تنصب لهم العبادتها، ويزعم مواريه" أن هذا الرأي قوبل بالترحاب من جانب الجيش وحظي بتبني "بونابرت" نفسه له.