عَلَى مَن سِوَاكَ، وَرَغِبنَا فِي جِوَارِكَ، وَرَجَونَا أَن لا نُظلَمَ عِندَكَ أَيُّهَا المَلِكُ (1).
قَالَت: فَقَالَ لَهُ النَّجَاشِيُّ: هَل مَعَكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ عَنِ الله مِن شَيءٍ؟
قَالَت: فَقَالَ لَهُ جَعفَرٌ: نَعَم، فَقَالَ لَهُ النَّجَاشِيُّ: فَاقرَأهُ عَلَيَّ، فَقَرَأَ عَلَيهِ صَدراً مِن: ﴿كهيعص (1)﴾ مريم، قَالَت: فَبَكَى وَالله النَّجَاشِيُّ حَتَّى أَخضَلَ لِحيَتَهُ، وَبَكَت أَسَاقِفَتُهُ حَتَّى أَخضَلُوا مَصَاحِفَهُم حِينَ سَمِعُوا مَا تَلا عَلَيهِم. ثُمَّ قَالَ النَّجَاشِيُّ: إِنَّ هَذَا وَالَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى لَيَخرُجُ مِن مِشكَاةٍ وَاحِدَةٍ، انطَلِقَا، فَوَالله لا أُسلِمُهُم إِلَيكُم أَبَداً، ولا أَكَادُ.
قَالَت أُمُّ سَلَمَةَ رَضِي الله عَنهَا: فَلَمَّا خَرَجَا مِن عِندِهِ قَالَ عَمرُو بنُ العَاصِ: وَالله لآتِيَنَّهُ غَداً بما أَعِيبُهُم عِندَهُ، ثُمَّ أَستَأصِلُ بِهِ خَضرَاءَهُم.
قَالَت: فَقَالَ لَهُ عَبدُ الله بنُ أَبِي رَبِيعَةَ ـ وَكَانَ أَتقَى الرَّجُلَينِ فِينَا ـ: لا تَفعَل، فَإِنَّ لَهُم أَرحَاماً، وَإِن كَانُوا قَد خَالَفُونَا.
قَالَ: وَالله لأخبِرَنَّهُ أَنَّهُم يَزعُمُونَ أَنَّ عِيسَى ابنَ مَريَمَ عَلَيهِمَا السَّلام عَبدٌ.
قَالَت: ثُمَّ غَدَا عَلَيهِ الغَدَ، فَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا المَلِكُ! إِنَّهُم يَقُولُونَ فِي عِيسَى ابنِ مَريَمَ قَولاً عَظِيماً، فَأَرسِل إِلَيهِم، فَسَلهُم عَمَّا يَقُولُونَ فِيهِ.
(1) ـ ما أروع هذا البيان من جعفر - رضي الله عنه -، وما أجمعه.؟! إنّه بيان بأعلى درجات اللغة " الدبلوماسيّة " باصطلاح العصر؛ فقد جمع الحقائق وأوجز، وقدّم الحجّة وتلطّف، وكان مترفّعاً في عرض الخصومة مع قومه، راقياً في لغته وأسلوبه، سامياً في بيانه، مادحاً للملك بما هو فيه، غير مسرف في مدحه، ولا مقصّر في ثنائِه.