قالت سلامة جارية سهيل بن عبد الرحمن المغنية، الحاذقة الظريفة، الجميلة الفاتنة، الشاعرة القارئة، المؤرخة المتحدثة، التي لم يجتمع في امرأة مثلها حسن وجهها، وحسن غنائها، وحسن شعرها, قالت: واشتراني أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك بعشرين ألف دينار "عشرة آلاف جنيه" وكان يقول: ما يقر عيني ما أوتيت من الخلافة حتى أشتري سلامة؛ ثم قال حين ملكني: ما شاء بعد من أمر الدنيا فليفتني! قالت: فلما عرضت عليه أمرني أن أغنيه، وكنت كالمخبولة من حب عبد الرحمن القس، حبا أراه فالقا كبدي، آتيا على حشاشتي. فذهب عني والله كل ما أحفظه من أصوات الغناء، كما يمسح اللوح مما كتب فيه، وأنسيت الخليفة وأنا بين يديه، ولم أر إلا عبد الرحمن ومجلسه مني يوم سألني أن أغنيه بشعره في، وقولي له يومئذ: حبا وكرامة وعزاة لوجهك الجميل. وتناولت العود وجسسته بقلبي قبل يدي، وضربت عليه كأني أضرب لعبد الرحمن، بيد أرى فيها عقلا يحتال حيلة امرأة عاشقة. ثم اندفعت أغني بشعر حبيبي:
إن التي طرقتك بين ركائب ... تمشي بمزهرها وأنت حرام
لتصيد قلبك، أو جزاء مودة ... إن الرفيق له عليك ذمام
باتت تعللنا وتحسب أننا ... في ذاك أيقاظ، ونحن نيام
وغنيته والله غناء والهة ذاهبة العقل كاسفة البال، ورددته كما رددته لعبد الرحمن، وأنا إذ ذاك بين يديه كالوردة أول ما تتفتح. وأنا أنظر إليه وأتبين لصوتي في مسمعيه صوتا آخر. وقطعته ذلك التقطيع، ومددته ذلك التمديد، وصحت فيه صيحة قلبي وجوارحي كلها كما غنيت عبد الرحمن لكيما أؤدي إلى قلبه المعنى الذي في اللفظ والمعنى الذي في النفس جميعا، ولكيما أسكره -وهو الزاهد العابد- سكر الخمر بشيء غير الخمر!
وما أفقت من هذه إلا حين قطعت الصوت، فإذا الخليفة كأنما يسمع من قلبي لا من فمي وقد زلزله الطرب، وما خفي علي أنه رجل قد ألم بشأن امرأة، وخشيت أن أكون قد افتضحت عنده؛ ولكن غلبته شهوته، وكان جسدا بما فيه يريد جسدا لما فيه، فمن ثم لم ينكر ولم يتغير.
واشتراني وصرت إليه، فلما خلونا سألني أن أغني, فلم أشعر إلا وأنا أغنيه بشعر عبد الرحمن:
ألا قل لهذا القلب: هل أنت مبصر ... وهل أنت عن سلامة اليوم مقصر