تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من العيش، فإن لم تبلغ بي، فالقليل الذي يعيش به المقل. وصعد فيه الشاب وصوب ثم قال له: أتحسن أن تلطف في حاجتي؟ قال: سأبلغ في حاجتك ما تحب. قال الشاب: ألك سابقة في هذا؟ أكنت قوادا؟ أتعرف كثيرات منهن؟

فانتفض غضبا وهم أن يبطش بالفتى لولا خوفه عاقبة الجريمة، فاستخذى ومضى لوجهه، وكان قد بلغ سوقا فأمل أن يجد عملا في بعض الحوانيت، غير أن أصحابها جعلوا يزجرونه مرة ويطردونه مرة، إذ وقعت به ظنة التلصص، وكادوا يسلمونه إلى الشرطي فمضى هاربا، وقد أجمع أن ينتحر ليقتل نفسه ودهره وإمارته وبؤسه جميعا.

قالوا: ومر في طريقه إلى مصرعه بامرأة تبيع الفجل والبصل والكراث، وهي بادنة وضيئة ممتلئة الأعلى والأسفل، وعلى وجهها مسحة إغراء، فذكر غزله وفتنته واستغواءه للنساء، ونازعته النفس، وحسب المرأة تكون له معاشا ولهوا، وظنها لا تعجزه ولا تفوته وهو في هذا الباب خراج ولاج منذ نشأ. غير أن ما كاد يراودها حتى ابتدرته بلطة أظلم لها الجو في عينه ثم هرت في وجهه هريرا منكرا واستعدت عليه السابلة فأطافوا به وأخذه الصفح بما قدم وما حدث، وما زالوا يتعاورونه حتى وقع مغشيا عليه.

ورأى في غشيته ما رأى من تمام هذا الكرب، فضرب وحبس وابتلي بالجنون وأرسل إلى المارستان، وساح في مصائب العالم، وطاف على نكبات الأمراء والسوقة بما يعي وما لا يعي، ثم رأى أنه أفاق من الإغماء, فإذا هو قد استيقظ من نومه على فراشه الوثير.

ويا ليت من يدري بعد هذا! أغدا ابن الأمير على المسجد وأقبل على الفقراء يحسن إليهم، أم غدا على صاحبته التي امتنعت عليه فابتاع لها الحلية بعشرة آلاف دينار؟

يا ليت من يدري! فإن الكتاب الذي نقلنا القصة عنه لم يذكر من هذا شيئا, بل قطع الخبر عندما انقطع الصفع.

وحي القلم · الجزء ١ · الصفحة ٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

وحي القلمج ١ · ص ٨٢