تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إيمانه إلا سموه وقوته وثباته، وينزل العمر عنده منزلة اللحظة الواحدة، وما أيسر الصبر على لحظة! وما أهون شر "الآن" إن كان الخير فيما بعده.

ألم يأن؛ ألم يأن؛ ألم يأن.

قال الشيخ: وكان الحسن في معانيه الفاضلة هو هذه الآية بعينها؛ فما كانت حياته إلا إسلامية كهذا الكلام الأبيض المشرق الذي سمعته منه؛ شعاره أبدا: "الآن قبل ألا يكون آن" وإمامه: "خذ نفسك من قلبك" وطريقته: "شرف الحياة لا الحياة نفسها".

وكان يرى هذه الحياة كوقعة الطائر؛ هي جناحين مستوفزين أبدا لعمل آخر هو الأقوى والأشد، فلا ينزلان بطائرهما على شيء إلا مطويين على قدرة الارتفاع به، ولا يكونان أبدا إلا هفهافين خفيفين على الطيران؛ إذ كانا في حكم الجو لا في حكم الأرض.

وآلة الوقوع والطيران بالإنسان شهواته ورغباته؛ فإن حطته شهوة لا ترفعه، فقد أوبقته وأهلكته وقذفت به ليؤخذ.

لقد روينا عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس"، وهذا ضرب من خشوع القلب المؤمن فيما يحل له: يدع أشياء كثيرة لا بأس عليه فيها لو أتاها؛ ليقوى على أن يدع ما فيه بأس، فإن الذي يترك ما هو له يكون أقوى على ترك ما ليس له.

والنفس لا بد راجعة يوما إلى الآخرة، وتاركة أداتها؛ فقوام نظامها في الحياة الصحيحة أن تكون كل يوم كأنها ذهبت إلى الآخرة وجاءت. وتلك هي الحكمة فيما فرضته الشريعة الإسلامية من عبادة راتبة تكون جزءا من عمل الحياة في يومها وليلتها. فإذا لم تكن النفس في حياتها كأنها دائما تذهب إلى مصيرها وترجع منه، طمسها الجسم وحبسها في إحدى الجهتين، فلم يبق لها فيه إلا أثر ضئيل لا يتجاوز النصح، كاعتراض المقتول على قاتله؛ يحاول أن يرد السيف بكلمة! وبذلك يتضاعف الجسم في قوته، ويشتد في صولته، ويتصرف في شهواته، كأن له بطنين يجوعان معا, فتستهلك شهوات المرء دينه, وتقذف به يمينا وشمالا، على قصد وعلى غير قصد، وتمضي به كما شاءت في مدرجة, مدرجة من الشر.

ومثل هذا المسرف على نفسه لا يكون تمييزه في الدين، ولا إحساسه

وحي القلم · الجزء ١ · الصفحة ٢١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

وحي القلمج ١ · ص ٢١٩