تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

شيئا، فأنت رجل آليت لا تقرب النساء ولا يقربنك، ونجوت بنفسك منهن وانقطعت بها لله؛ وكأن كل نساء الأرض قد شاركن في ولادتك فحرمن عليك! وهذا ما لا أفهمه أنا إلا ألفاظا، كما لا تفهم أنت ما أجد الساعة إلا ألفاظا؛ وشتان بين قائل يتكلم من الطبع، وبين سامع يفهم بالتكلف.

فقلت له: يا أبا ربيعة، وما يمنعك الآن وقد اطرحت أثقالك وانبتت أسبابك من النساء, أن تعيش خفيف الظهر، وتفرغ للنسك والعبادة، وتجعل قلبك كالسماء انقشع غيمها فسطعت فيها الشمس؛ فإنه يقال: إن المرأة ولو كانت صالحة قانتة, فهي في منزل الرجل العابد مدخل الشيطان إليه، ولو أن هذا العابد كان يسكن في حسناته لا في دار من الطوب والحجارة لكانت امرأته كوة يقتحم الشيطان منها. ولقد كان آدم في الجنة، وبينها وبين الأرض سموات وأفلاك، فما منع ذلك أن تتعلق روح الأرض بالشيطان، فيتعلق الشيطان بحواء، وتتعلق هي بآدم؛ ومكر الشيطان فصورها لهما في صيغة مسألة علمية، ومكرت حواء فوضعت فيها جاذبية اللحم والدم، فلم تعد مسألة علم ومعرفة، بل مسألة طبع ولجاجة. فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما.

وهل اجتمع الرجل والمرأة من بعدها على الأرض إلا كانا من نصب الحياة وهمومها، وشهواتها ومطامعها، ومضارها ومعايبها, في معنى ﴿بدت لهما سوآتهما﴾ ؟

كلانا يا أبا ربيعة ممن لهم سير بالباطن في هذا الوجود غير السير بالظاهر، وممن لهم حركة بالكفر غير الحركة بالجسم، فقبيح بنا أن نتعلق أدنى متعلق بنواميس هذا الكون اللحمي الذي يسمى المرأة، فهو تدل وإسفاف منا.

ولعلك تقول: "النسل وتكثير الآدمية" فهذا إنما كتب على إنسان الجوارح والأعضاء، أما إنسان القلب فله معناه وحكم معناه؛ إذ يعيش بباطنه، فيعيش ظاهره في قوانين هذا الباطن، لا في قوانين ظاهر الناس. وإنه لشر كل ما نقلك إلى طبع أهل الجوارح وشهواتهم، فزين لك لما يزين لهم، وشغلك بما يشغلهم؛ فهذا عندنا -يرحمك الله- باب كأنه من أبواب المجون الذي ينقل الرجل إلى طبع الصبي.

فاطمس يا أخي على موضعها من قلبك، وألق النور على ظلها؛ فالنور في قلب العابد نور التحويل إن شاء، ونور الرؤية إن شاء؛ يرى به المادة كما يريد أن تكون لا كما تكون. وأنت قد كانت فيك امرأة، فحولها صلاة، واعمل بنورك عكس

وحي القلم · الجزء ١ · الصفحة ٢٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

وحي القلمج ١ · ص ٢٠١