تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وزعم أن "النقاب والبرقع من أشد أعوان المرأة على إظهار ما تظهر, وعمل ما تعمل لتحريك الرغبة؛ لأنهما يخفيان شخصيتها فلا تخاف أن يعرفها قريب أو بعيد, فيقول: فلانة، أو بنت فلان، أو زوج فلان كانت تفعل كذا؛ فهي تأتي كل ما تشتهيه من ذلك تحت حماية البرقع والنقاب". فقد زال البرقع والنقاب، ولكن هل قدر قاسم أن المرأة السافرة ستلجأ إلى حماية أخرى، فتجعل ثيابها تعبيرا دقيقا عن أعضائها، وبدلا من أن تلبس جسمها ثوبا يكسوه، تلبسه الثوب الذي يكسوه ويزينه ويظهره ويحركه في وقت معا، حتى ليكاد الثوب يقول للناظر: هذا الموضع اسمه ... وهذا الموضع اسمه ... وانظر هنا وانظر ههنا ... ما زادت المدنية على أن فككت المرأة الطيبة ثم ركبتها في هذه الهندسة الفاحشة!

وأراد قاسم أن يعلمنا الحب لنربط به الزوج معنا، فلم يزد على أن جرأنا على الحب الذي فر به الزوج منا، وقد نسي أن المرأة التي تخالط الرجل ليعجبها وتعجبه فيصيرا زوجين, إنما تخالط في هذا الرجل غرائزه قبل إنسانيته، فتكون طبيعته وطبيعتها هي محل المخالطة قبل شخصيهما، أو تحت ستار شخصيهما؛ وهو رجل وهي امرأة، وبينهما مصارعة الدم ... وكثيرا ما تكون المسكينة هي المذبوحة. وقد انتهينا إلى دهر يصنع حبه ومجالس أحبابه في "هوليود" وغيرها من مدن السينما، فإن رأى الشباب على الفتاة مظهر العفة والوقار قال: بلادة في الدم، وبلاهة في العقل، وثقل أي ثقل؛ وإن رأى غير ذلك قال: فجور وطيش، واستهتار أي استهتار, فأين تستقر المرأة ولا مكان لها بين الضدين؟

أخطأ قاسم في إغفال عامل الزمن من حسابه، وهاجم الدين بالعرف؛ وكان من أفحش غلطه ظنه العرف مقصورا على زمنه، وكأنه لم يدر أن الفرق بين الدين وبين العرف، هو أن هذا الأخير دائم الاضطراب، فهو دائم التغير، فهو لا يصلح أبدا قاعدة للفضيلة؛ وها نحن أولاء قد انتهينا إلى زمن العري، وأصبحنا نجد لفيفا من الأوروبيين المتعلمين، رجالهم ونسائهم، إذا رأوا في جزيرتهم أو محلتهم أو ناديهم رجلا يلبس في حقويه تباتا قصيرا كأنه ورق الشجر على موضعه ذاك من آدم وحواء, إذا رأوا هذا المتعفف بخرقة؛ أنكروا عليه وتساءلوا بينهم: من؛ من هذا الراهب؟

ونسي قاسم -غفر الله له- أن للثياب أخلاقا تتغير بتغيرها، فالتي تفرغ الثوب على أعضائها إفراغ الهندسة، وتلبس وجهها ألوان التصوير, لا تفعل ذلك إلا وهي قد تغير فهمها للفضائل؛ فتغيرت بذلك فضائلها، وتحولت من آيات دينية إلى آيات شعرية. وروح المسجد غير روح الحانة، وهذه غير روح المرقص، وهذه غير روح

وحي القلم · الجزء ١ · الصفحة ١٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

وحي القلمج ١ · ص ١٦٨