في النصيحة؛ ولا أخدعك عن الرأي، ولا أنظر لك إلا خير ما أنظر لنفسي؛ وإن عبد الملك بن مروان من علمت؛ رجل قد عم الناس ترغيبه وترهيبه، فهو آخذك على ما تكره إن لم تأخذه أنت على ما يحب؛ وإنه والله يا أبا محمد، ما طلب إليك أمير المؤمنين إلا وأنت عنده الأعلى، ولا بعثني إليك إلا وكأنه يسعى بين يديك، رعاية لمنزلتك عنده، وإكبارا لحقك عليه؛ وما أرسلني أخطب إليك ابنتك لولي عهده إلا وهو يبتذل نفسه ابتذالا ليصل بك رحمه، ويوثق آصرته؛ وإن يكن الله قد أغناك أن تنتفع به وبملكه ورعا وزهادة، فما أحوج أهل مدينة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن ينتفعوا بك عنده، وأن يكونوا أصهار "الوليد" فيستدفعوا شرا ما به عنهم غنى، ويجتلبوا خيرا ما بهم غنى عنه، ولست تدري ما يكون من مصادر الأمور ومواردها. وإنك والله إن لججت في عنادك وأصررت أن تردني إليه خائبا، لتهيجن قرم سيوف الشام إلى هذه اللحوم ولحمك يومئذ من أطيبها، ولأمير المؤمنين تارتان: لين وشدة؛ وأنا إليك رسول الأولى، فلا تجعلني رسول الثانية.
وكان أبو محمد يسمع هذا الكلام وكأن الكلام لا يخلص إلى نفسه إلا بعد أن تتساقط معانيه في الأرض، هيبة منه وفرقا من إقدامها عليه؛ وقد لان رسول عبد الملك في دهائه حتى ظن عند نفسه أنه ساغ من الرجل مساغ الماء العذب في الحلق الظامئ، واشتد في وعيده حتى ما يشك أنه قد سقاه ماء حميما فقطع أمعاءه؛ والرجل في كل ذلك من فوقه كالسماء فوق الأرض، لو تحول الناس جميعا كناسين يثيرون من غبار هذه على تلك لما كان مرجع الغبار إلا عليهم، وبقيت السماء ضاحكة صافية تتلألأ.
وقلب الرسول نظره في وجه الشيخ، فإذا هو هو ليس فيه معنى رغبة ولا رهبة، كأن لم يجعل له الأرض ذهبا تحت قدميه في حالة، ولم يملأ الجو سيوفا على رأسه في الحالة الأخرى؛ وأيقن أنه من الشيخ العظيم كالصبي الغر قد رأى الطائر في أعلى الشجرة فطمع فيه، فجاء من تحتها يناديه: أن انزل إلي حتى آخذك وألعب بك.
وبعد قليل تكلم أبو محمد فقال:
يا هذا، أما أنا فقد سمعت، وأما أنت فقد رأيت، وقد روينا أن هذه الدنيا لا تعدل عند الله جناح بعوضة، فانظر ما جئتني أنت به، وقسه إلى هذه الدنيا كلها،