تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حياته أعمالاً كثيرة متنوعة، بحيث تكون فيه الأسوة الصالحة والمنهج الأعلى للحياة الإنسانية فى جميع أطوارها، لأنها جمعت بين الأخلاق العالية والعادات الحسنة والعواطف النبيلة المعتدلة والنوازع العظيمة القوية". (1)

والنقطة الثانية التى تتجلَّى فيها عظمة الخُلُق المحمدى هو أن هذه الأخلاق على درجة سواء وفى توازن عجيب، فلا خُلُق يطغى على خُلُق، ولا صفة تطغى على صفة، رحمة فى غير ضعف، وتواضع فى غير مهانة، وحياء فى غير ذلة، وشجاعة فى غير تَهَوُّر، وعزة فى غير كبرياء، وجُودٌ فى غير إسراف، وعدل فى غير تفريط، وحلم فى غير غفلة، وزهد فى غير رهبانية، ومزاح فى غير باطل ... ومن أى النواحى نظرت فى حياة محمد - صلى الله عليه وسلم - وجدته عظيماً، كان عظيماً فى بيته بين أزواجه وبنيه، وبين مواليه وخدمه، وكان عظيماً بين أصحابه، وكان عظيماً مع أعدائه، وكان عظيماً وهو يدعو إلى ربه - عز وجل -، وكان عظيماً وهو يسوس الدولة، ويجهز الجيش، ويرسل البعوث، ويدعو الأفراد والقبائل، ويكاتب الملوك والأمراء، وكان عظيماً وهو فى محرابه بين يدى ربه - عز وجل - يدعوه خاشعاً متضرعاً فقيل له فى ذلك، فقال: "أفلا أكون عبداً شكوراً؟! ". (2)

لقد كان عظيماً فى رحمته، وفى تواضعه، وفى جوده، وفى حلمه، وفى شجاعته، وفى عدله، وفى حيائه، وفى صدقه، وفى وفائه، وفى زهده ... وكان عظيماً فى كل شئ ... وشهد بهذه العظمة الصاحب والعدو، والقريب والبعيد، والقاصى والدانى، واشتهر ذلك بين الناس وتناقلوه جيلاً عن جيل وهو من أعظم دلائل نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - لمن أنصف. حتى قال ابن حزم: "إن سيرة محمد - صلى الله عليه وسلم - تقتضى تصديقه ضرورة، وتشهد له بأنه رسول الله حقاً، فلو لم يكن له معجزة غير سيرته لكفى". (3)

وها هم أقرب الناس إليه يشهدون بعظيم أخلاقه، ولعلنا اطلعنا على ما قالته خديجة له عندما رأى الوحى لأول مرة وعاد خائفاً فزعاً من هول ما رأى، إذ ردت على قوله: "لقد خشيت على نفسى".قائلة: "كلا والله ما يخزيك الله أبداً؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الحق". (3)

وهذه عائشة زوجته تقول عنه وقد سُئلت: ما كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يصنع فى بيته؟ قالت: "يكون فى مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة". (4)، وحينما سُئلت عن خُلق رسول الله، قالت: "لم يكن فاحشاً ولا متفحشاً ولا صخاباً فى الأسواق، ولا يجزى بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح". (5)

---

1 - قبس من الأخلاق النبوية. ص 16 - نقلاً عن (الرسالة المحمدية) ... 2 - البخارى

3 - قبس من الأخلاق النبوية. ص 17 - نقلاً عن (الفصل فى الملل والأهواء والنحل) 4 - الأدب المفرد 5 - الترمذى.

محمد صلى الله عليه وسلم الرسول والرسالة · الصفحة ١٨٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

محمد صلى الله عليه وسلم الرسول والرسالةص ١٨٥