تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

6 - نبوة محمد 442 - نقلاً عن (I'Islam medieval - p 83.).

---

الفصل الثانى: محمد والوحى

وبعد سنوات شغلت أثناءها هذه الحقائق العليا نفسه، صار يرى فى منامه أحلاماً تشع بالآمال والوعود، فتنبلج أثناءها أمام بصيرته أنوار الحقيقة التى ينشدها، ويرى معها باطل الحياة وغرور زخرفها .. إذ ذاك أيقن أن قومه قد ضلوا سبيل الهدى ... واستمر محمد على هذا الحال حتى شارف الأربعين، وذهب إلى حراء يتحنث وقد امتلأت نفسه إيماناً بما رأى فى منامه من رؤيا، فاتجه بقلبه إلى الله بكل روحه أن يهدى قومه بعد أن ضربوا تيهاء الضلال ... وهو فى توجهه هذا يقوم ويرهف ذهنه وقلبه، وتثور به تأملاته، فينحدر من الغار إلى طرق الصحراء، ثم يعود إلى خلوته، إلى أن طالت به الحال ستة أشهر، حتى خشى على نفسه عاقبة أمره، فأسر بمخاوفه إلى خديجة وأظهرها على ما يرى، وأنه يخاف عبث الجن به. فطمأنته الزوج المخلصة الوفية، وجعلت تحثه بأنه الأمين. (1)

وحوالى عام (12 ق. هـ/610 م)، وهو معتكف فى غار حراء، إذ تعرض لهجوم مباغت مذهل، فقد ظهر له من يقول له: اقرأ. فقال محمد مرتعداً: ما أنا بقارئ ... فأحس أنه يخنقه حتى بلغ منه الجهد ثم أرسله وقال له: اقرأ. فعاود محمد الإجابة وهو مذهول مما يجد: ما أنا بقارئ. فضمه هذا الذى رأى وقال له فى الثالثة: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ .. خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ .. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ .. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ .. عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾. (2)، وهذه الآيات هى أول ما نزل من القرآن على رسول الله محمد - صلى الله عليه وسلم -.

فلقد مثلت تلك الكلمات امتداداً لاعتقاد قريش أن الله خلق كل شخص منها، وكشفت وهْم مروءة الاستغناء، وأظهرت الاعتماد الكلى للبشر على الله، وأظهرت خطأ اعتقادهم أن الله هو إله بعيدغائب، بل ها هو حاضر لهداية مخلوقاته، فيجب عليهم الاقتراب منه، وإفراد العبودية له، وعدم الإشراك به.

وما إن تمالك محمد نفسه، فسرعان ما تملكه الرعب من التفكير فى أنه بعد كل جهاده الروحى يتلبسه جنى، فترك الغار وقد انتابته الحيرة فى تفسير ما رأى، ورجع إلى خديجة وفؤاده يرجف. وقال: زملونى زملونى، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال: يا خديجة! مالى! وأخبرها الخبر، وقال: لقد خشيت على نفسى، فكانت خديجة ملك الرحمة وملاذ السلام لهذا القلب الكبير الخائف الوجل، فلم تُبد له أى خوف أو ريبة، وقالت له ما أوردناه سابقاً: "كلا، والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الحق".

محمد صلى الله عليه وسلم الرسول والرسالة · الصفحة ١٤٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

محمد صلى الله عليه وسلم الرسول والرسالةص ١٤٨