إليه عمر: إذا جاءك كتابي هذا فعشِّر الناس وعرِّف عليهم وأمِّر على أجنادهم وعبِّهم ومُرْ رؤساء المسلمين فليشهدوا وقدِّرهم وهم شهود ثم وجههُّم إلى أصحابهم وواعِدْهم القادسية واضمُم إليك المغيرة بن شعبة في خيله واكتب إلي بالذي يستقر عليه أمرهم فبعث سعد إلى المغيرة فانضم إليه وإلى رؤساء القبائل فأتوه فقدَّر الناس وعبَّاهم بشراف وأمَّر أمراء الأجناد وعرَّف العرفاء فعرَّف على كل عشرة رجلاً كما كانت العرافات أزمان النبي - صلى الله عليه وسلم - وكذلك كانت إلى أن فرض العطاء وأمَّر على الرايات رجالاً من أهل السابقة وعشَّر الناس وأمَّر على الأعشار رجالاً من الناس لهم وسائل في الإسلام وولَّى الحروب رجالاً فولَّى على مقدماتها ومجنباتها وساقتها ومجرداتها وطلائعها ورجلها وركبانها فلم يفصل إلا على تعبية ... فكان أمراء التعبية يلون الأمير والذين يلون أمراء الأعشار والذين يلون أمراء الأعشار أصحاب الرايات والذين يلون أصحاب الرايات والقواد رؤوس القبائل وقالوا جميعاً: لا يستعين أبو بكرفي الردة ولا على الأعاجم بمرتدٍّ، واستنفرهم عمر ولم يولِّ منهم أحدا] (1).
ولما ولي عثمان - رضي الله عنه - استخدم الذين ارتدوا سابقاً استصلاحاً لهم، ولكن جاءت العاقبة على غير ما يحبّ - رضي الله عنه - بل شملت بعقابيلها الإسلام والمسلمين، وتمنى هو - رضي الله عنه - أن لا يكون قد فعل ذلك (2).
هذه هي سنة الراشدين التي أمرنا أن نعَضَّ عليها بالنواجذ. ولما أراد أحد الراشدين استصلاحهم ناله - رضي الله عنه -، ونال الإسلام ما يعرفه كل أحد. فما بالنا اليوم إذا ادّعى مدّعٍ بأنه أصبح من المسلمين والدعاة بعد تاريخ حافل بالانحرافات والضلال وحاضر لا يقل مروقاً وزندقة قدّمناه ليكون رائداً لنا؟ ولقد مُنِينا - نحن المسلمين - من هذه الأعمال بنكسات ومصائب ليس لها عدّ، وما زلنا لم نتَّعظ، فعندما أعلن روجي جارودي النصراني الشيوعي أنه أسلم طبّل وزمّر له البعض، وفَتحت له الصحف والمجلات أبوابها، وأُقيمت له المؤتمرات والندوات والدعوات، ثم عاد ليقول: أنا لي صلاة غير صلاتكم، وفهمي للدين غير فهمكم، ثم قال: أنا لم أترك يوماً ماركسيتي أو مسيحيتي، ولكنني أنظر إلى الفلسفة الإسلامية بإعجاب. هذا مثل واحد والحبل طويل وطويل جداً.
وعوداً على موضوعنا، فلقد لبس عمارة عباءة المفكر الإسلامي، بعد تاريخ حافل بالانحراف والضلال والزندقة والردة والمروق، وعلى الفور أراد أن يوجِّه الحركات الإسلامية، ويُفتي لها، ويكون منها بمقام الرأس يمارس التنظير، ويرسم الخطط والمناهج. فهل سيكون مجتهدون وأئمة وفقهاء من حيِّ الزنادقة المرتدين واللادينيين كما كان بابوات للنصارى من الحيِّ اليهودي؟!! نأمل أن يتدارك المسلمون أمرهم ولا يكون ذلك.
· محمد عمارة يطرح نفسه مجدِّداً مفكِّراً:
وأمّا على صعيد تصدي عمارة لقيادة وتوجيه وترشيد الصحوة والعمل الإسلامي، وطرح نفسه بديلاً عن الحركات، فحديث ذو شجون، فلقد عُقد اجتماع له ولأضرابه من مدرسة الأشقياء إلا القليل ممن شارك في هذا اللقاء عن غفلة أو سذاجة، غير مبررة وألقوا محاضرات طبعت في كتاب أسموه (الحركة الإسلامية -رؤية مستقبلية) تحرير وتقديم الدكتور عبد الله النفيسي، قال فيه عمارة قولاً سنتعرض إليه لما يحويه من مغالطات
(1) - تاريخ الطبري (2/ 385).
(2) - انظر المصدر السابق (2/ 541).