تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإن قال : وما هذا الذي وصفت من معنى الوصل ، وقد علمت أن الوصل في كلام العرب إنما هو وصل شيء بشيء ، كالحبل يوصل بآخر ، ونحو ذلك . والإيصال من الله - عز ذكره - على عبده بما ذكرت - بعيد الشبه من وصل الحبل بالحبل ، والسبب بالسبب ؟

قيل : إن العرب لا تمتنع أن تقول : إذا تفضل رجل على آخر بمال ، فأعطاه أو وهب له هبة : وصل فلان فلانا بكذا - يعني بذلك : وهبه له وأعطاه . وتسمى تلك العطية صلة . فتقول : وصلت إلى فلان صلة فلان . وكذلك معنى قول الله تعالى ذكره في الرحم : ' من وصلها وصلته ' إنما معناه وصلتها بفضلي ونعمي تعطفا مني بذلك عليه . وأما صلة العبد رحمه ، فشبيهة المعنى بما ذكرت : من تعطفه على ذوي أرحامه من قبل أبيه أو أمه بنوافل فضله . ومما يبين صحة ما قلنا في ذلك ما :

198 - حدثني به يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا ابن علية ، عن يونس ، عن الحسن ، قال : قال عثمان بن أبي العاص : ' لولا أن أصل رحما ما ابتغيت درهما بدرهم ! قال : فولي بني أخ له أيتاما أربعة ، حتى إذا أدركوا ، ثم أجاز كل رجل منهم بأربعين ألفا ' .

فقد بين عثمان بن أبي العاص بقوله : ' لولا أن أصل رحما ما ابتغيت درهما بدرهم ' : أن ابتغاءه ما يبتغي من المال ، إنما هو ليتعطف به على ذوي أرحامه صلة منه بذلك رحمه التي بينه وبينهم .

فإن قال : أفما يكون المرء واصلا رحمه إلا بتعطفه عليهم بفضول أمواله أو إن كان الأمر كذلك ، فكل من لم يتعطف على ذوي أرحامه بفضول أمواله ، فهو لرحمه قاطع !

تهذيب الآثار · الجزء ٥ · الصفحة ١٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تهذيب الآثارج ٥ · ص ١٤٣